تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
وإذا حققت ذلك فاعلم أن داود يحتج لجواز جمع الأختين بملك اليمين أيضا ، برجوع الاستثناء في قوله
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
لقوله
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ
فيقول : قوله تعالى :
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ
وقوله :
* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ
[ النساء : 24 ] يرجع لكل منهما استثناء في قوله :
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
فيكون المعنى : وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين ، إلا ما ملكت أيمانكم فلا يحرم عليكم فيه الجمع بينهما ، وحرمت عليكم المحصنات من النساء ، إلا ما ملكت أيمانكم ، فلا يحرم عليكم . وقد أوضحنا معنى الاستثناء من المحصنات في محله من هذا الكتاب المبارك ، وبهذا تعلم أن احتجاج داود برجوع الاستثناء في قوله
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
إلى قوله :
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ
جار على أصول المالكية والشافعية والحنابلة ، فيصعب عليهم التخلص من احتجاج داود هذا . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي أن الجواب عن استدلال داود المذكور من وجهين : الأولى منهما : أن في الآية نفسها قرينة مانعة من رجوع الاستثناء ، إلى قوله :
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ
لما قدمنا من أن قوله
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
أي بالسبي خاصة مع الكفر ، وأن المعنى والمحصنات من النساء ، إلا ما ملكت أيمانكم : أي وحرمت عليكم المتزوجات من النساء ، لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي مع الكفر فإن السبي يرفع حكم الزوجية عن المسبية ، وتحل لسابيها بعد الاستبراء كما قال الفرزدق :
وذات حليل أنكحتها رماحنا * حلال لمن يبنى بها لم تطلق
وإذا كان ملك اليمين في قوله :
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
في السبي خاصة كما هو مذهب الجمهور كان ذلك مانعا من رجوعه إلى قوله :
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ
لأن محل النزاع في ملك اليمين مطلقا ، وقد قدمنا في سورة النساء أن قول من قال :
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
مطلقا ، وأن بيع الأمة طلاقها أنه خلاف التحقيق ، وأوضحنا الأدلة على ذلك . الوجه الثاني : هو أن استقراء القرآن يدل على أن الصواب في رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله أو بعضها ، يحتاج إلى دليل منفصل ، لأن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع أو لبعضها ، دون بعض . وربما دل الدليل على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه . وإذا كان الاستثناء ربما كان راجعا لغير الجملة الأخيرة التي تليه ، تبين أنه لا ينبغي الحكم برجوعه إلى الجميع إلا بعد النظر في الأدلة . ومعرفة ذلك منها ، وهذا القول الذي هو
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 522 | الشنقيطي