تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ
[ الإسراء : 60 ] أي لأنها فتنة ، كما قال
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ
( 64 ) [ الصافات : 62 - 64 ] الآية . لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا : ظهر كذب محمد صلى اللّه عليه وسلم لأن الشجر لا ينبت في الموضع اليابس ، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات ، كما تقدم إيضاحه مرارا ، والعلم عند اللّه تعالى واللام في قوله
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
[ الحج : 53 ] الآية الأظهر أنها متعلقة ، بألقى أي ألقى الشيطان في أمنية الرسل والأنبياء ، ليجعل اللّه ذلك الإلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض ، خلافا للحوفي القائل : إنها متعلقة بيحكم ، وابن عطية القائل : إنها متعلقة بينسخ . ومعنى كونه : فتنة لهم أنه سبب لتماديهم في الضلال والكفر ، وقد أوضحنا معاني الفتنة في القرآن سابقا ، وبينا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار ، ليظهر بسبكه فيها أخالص هو أم زائف ، وأنها في القرآن تطلق على معان متعددة منها : الوضع في النار ، ومنه قوله تعالى
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
( 13 ) [ الذاريات : 13 ] أي يحرقون بها . وقوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ البروج : 10 ] الآية أي أحرقوهم بنار الأخدود على أظهر التفسيرين ، ومنها : الاختبار وهو أكثر استعالاتها في القرآن ، كقوله تعالى
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[ التغابن : 15 ] وقوله تعالى
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] وقوله تعالى
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
[ الجن : 16 - 17 ] ومنها : نتيجة الابتلاء إن كانت سيئة كالكفر والضلال كقوله
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
[ البقرة : 193 ] أي شرك بدليل قوله
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
[ البقرة : 193 ] وقوله في الأنفال
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
[ الأنفال : 39 ] ومما يوضح هذا المعنى قوله صلى اللّه عليه وسلم « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه » الحديث « 1 » . فالغاية في الحديث مبينة للغاية في الآية ، لأن خير ما يفسر به القرآن بعد القرآن السنة ، ومنه بهذا المعنى قوله هنا
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
وقد جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة ، وهو قوله تعالى في الأنعام
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
( 23 ) [ الأنعام : 23 ] أي حجتهم كما هو الظاهر . واعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين : أحدهما : مرض بالنفاق والشك والكفر ، ومنه قوله تعالى في المنافقين
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[ البقرة : 10 ] الآية وقوله هنا
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أي كفر وشك . والثاني : منهما إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى ، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى
فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ
[ الأحزاب : 32 ] أي ميل إلى الزنى
هامش
( 1 ) . سبق تخريجه .