تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
ونحوه ، والعرب تسمي انطواء القلب على الأمور الخبيثة : مرضا وذلك معروف في لغتهم ومنه قول الأعشى :
حافظ للفرج راض بالتقى * ليس ممن قلبه فيه مرض
وقوله هنا
وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
[ الحج : 53 ] قد بينا في سورة البقرة الآيات القرآنية الدالة على سبب قسوة القلوب في الكلام على قوله
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[ البقرة : 74 ] وآية الحج هذه تبين أن ما أشهر على ألسنة أهل العلم ، من أن النبي هو من أوحى إليه وحي ، ولم يؤمر بتبليغه ، وأن الرسول هو النبي الذي أوحى إليه ، وأمر بتبليغ ما أوحى إليه غير صحيح ، لأن قوله تعالى
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ
الآية . يدل على أن كلا منهما مرسل ، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته ، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول ، هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحى إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله ، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة ، كما بينه تعالى بقوله
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
[ المائدة : 44 ] الآية وقوله في هذه الآية
فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ
أي تخشع وتخضع وتطمئن . قوله تعالى :
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
[ 55 ] . ذكر اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أن الكفار لا يزالون في مرية ، أي شك وريب منه : أي من هذا القرآن العظيم كما هو الظاهر ، واختاره ابن جرير وهو قول ابن جريج ، كما نقله عنهم ابن كثير : وقال سعيد بن جبير ، وابن زيد : في
مِرْيَةٍ مِنْهُ :
أي في شك مما ألقى الشيطان ، وذكر تعالى في هذه الآية : أنهم لا يزالون كذلك ، حتى تأتيهم الساعة : أي القيامة بغتة : أي فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم . قد روى مجاهد عن أبي بن كعب : أن اليوم العقيم المذكور يوم بدر « 1 » ، وكذا قال مجاهد وعكرمة ، وسعيد بن جبير وغير واحد : واختاره ابن جرير كما نقله عنهم ابن كثير في تفسيره ثم قال : وقال مجاهد وعكرمة في رواية عنهما : هو يوم القيامة لا ليل له ، وكذا قال الضحاك والحسن البصري ، ثم قال : وهذا القول هو الصحيح ، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به ا ه . محل الغرض من ابن كثير . وقد ذكرنا مرارا أنا بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة
هامش
( 1 ) . أخرجه عن أبي بن كعب ابن جرير الطبري في جامع البيان 17 / 135 .