وفي لفظ لمسلم ، عن ثوبان رضي اللّه عنه قال : « ذبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضحية ثم قال : يا ثوبان أصلح لهم هذه ، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة » .
وفي بعض ألفاظ حديث ثوبان ، هذا عند مسلم أن ذلك في حجة الوداع .
وفي لفظ لمسلم ، عن عبد اللّه بن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا » ا ه منه .
فكل هذه الألفاظ الثابتة بالأسانيد الصحيحة في مسلم وبعضها في البخاري فيها الدلالة الصحيحة الصريحة : أن تحريم الادخار ، والأكل من لحوم الأضاحي ، فوق ثلاث :
أنه منسوخ ، وأن ذلك جائز مطلقا ، وفي بعض الروايات : تعليل ذلك النهي الموقت بمجيء بعض الفقراء من البادية ، وهم المعبر عنهم في الحديث بالدافة .
قال ابن الأثير في النهاية : الدافة القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد . يقال لهم يدفون دفيفا ، والدافة قوم من الأعراب يردون المصر يريد أنهم قدموا المدينة عند الأضحى ، فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي ، ليفرقوها ويتصدقوا بها ، فينتفع أولئك القادمون بها .
انتهى من النهاية .
تنبيه
في هذا الحديث دليل لمن قال من أهل الأصول : باشتراط انعكاس العلة في صحتها ، لأن علة تحريم ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث : هي وجود دافة فقراء البادية ، الذين دفوا عليهم . ولما زالت هذه العلة زال الحكم معها ، ودوران الحكم مع علته في العدم ، هو المعروف في الاصطلاح بانعكاسها . والمقرر في الأصول : أن محل القدح في العلة بعدم انعكاسها فيما إذا كانت علة الحكم واحدة ، لا إن كانت له علل متعددة ، فلا يقدح في واحدة منها بعدم العكس ، لأنه إذا انعدمت واحدة منها ثبت الحكم بالعلة الأخرى ، كالبول ، والغائط ، لنقض الوضوء مثلا . فإن البول يكون معدوما وعلة النقض ثابتة بخروج الغائط ، وهكذا . وكذلك مع كونها علة واحدة لا بد أيضا في القدح فيها ، بعدم العكس من عدم ورود دليل ببقاء الحكم مع ذهاب العلة ، فإن دل دليل على بقاء الحكم ، مع انتفاء العلة ، فلا يقدح فيها بعدم العكس ، كالرمي في الأشواط الأول ، من الطواف ، فإن علته هي أن يعلم المشركون : أن الصحابة أقوياء ولم تضعفهم حمى يثرب . وهذه العلة قد زالت مع أن حكمها وهو الرمل في الأشواط المذكورة باق لوجود الدليل على بقائه ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم رمى في حجة الوداع ، والعلة المذكورة معدومة قطعا زمن حجة الوداع كما قدمنا إيضاحه ، وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود في مبحث القوادح بقوله :