تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
وأقوى أدلة من قال بالوجوب : هو ما قدمنا في الصحيحين من حديث جندب بن سفيان البجلي ، من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر من ذبح قبل الصلاة بالإعادة ، وأمر من لم يذبح بالذبح . وقد قدمنا دلالة الأمر على الوجوب والحديث المختلف في وقفه ورفعه ، الذي قدمنا ، لأن قوله فيه « فلا يقربن مصلانا » « 1 » يفهم منه أن ترك الأضحية مخالفة غير هينة ، لمنع صاحبها من قرب المصلى وهو يدل على الوجوب . والفرق بين المسافر والمقيم عند أبي حنيفة لا أعلم له مستندا من كتاب ولا سنة ، وبعض الحنفية يوجهه ، بأن أداءها له أسباب تشق على المسافر ، وهذا وحده لا يكفي دليلا ، لأنه من المعلوم أن كل واجب عجز عنه المكلف ، يسقط عنه لقوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] . وأما الذين قالوا : بأن الأضحية سنة مؤكدة ، وليست بواجبة ، فاستدلوا بأدلة منها : ما رواه مسلم في صحيحه : حدثنا ابن أبي عمر المكي ، حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، سمع سعيد بن المسيب يحدث عن أم سلمة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا » قيل لسفيان : فإن بعضهم لا يرفعه . قال : لكني أرفعه ا ه وفي لفظ عنها ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم عند مسلم : « إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ظفرا » وفي لفظ له عنها مرفوعا « إذا أراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره » « 2 » ا ه . كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من حديث زوجه أم المؤمنين أم سلمة رضي اللّه عنها ، ووجه الاستدلال بها ، على عدم الوجوب أن ظاهر الرواية : أن الأضحية موكولة إلى إرادة المضحي ، ولو كانت واجبة لما كانت كذلك . قال النووي في شرح المهذب : بعد أن ذكر بعض روايات حديث أم سلمة المذكور ما نصه : قال الشافعي : هذا دليل أن التضحية ليست بواجبة ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم ، وأراد فجعله مفوضا إلى إرادته ، ولو كانت واجبة لقال : فلا يمس من شعره ، حتى يضحي ا ه منه . وقال النووي في شرح المهذب أيضا : واستدل أصحابنا ، يعني لعدم الوجوب بحديث ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « هن علي فرائض وهن لكم تطوع : النحر ، والوتر ، وركعتا الضحى » رواه البيهقي « 3 » بإسناد ضعيف . ورواه في موضع آخر وصرح بضعفه وللحديث المذكور طرق ، ولا يخلو شيء منها من الضعف ولم يذكرها النووي . ثم قال النووي : وصح عن أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما : أنهما كانا لا يضحيان ، مخافة أن يعتقد الناس وجوبها ا ه كلام النووي . وقال ابن حجر في فتح الباري : قال ابن حزم : لا يصح عن أحد من الصحابة أنها
هامش
( 1 ) . سبق تخريجه . ( 2 ) . أخرج هذه الأحاديث مسلم في الأضاحي حديث 39 و 40 و 41 . ( 3 ) . السنن الكبرى ، كتاب الضحايا 9 / 264 .