وقال ابن قدامة في المغني : أكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة غير واجبة : روي ذلك عن أبي بكر ، وعمر ، وبلال ، وأبي مسعود البدري رضي اللّه عنهم . وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب ، وعلقمة ، والأسود ، وعطاء ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وابن المنذر . وقال ربيعة ، ومالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث ، وأبو حنيفة : هي واجبة ونقل ابن قدامة في المغني عن مالك وجوب الأضحية خلاف مذهبه ، ومذهبه هو ما نقل عنه النووي : من أنها سنة ، ولكنها عنده لا تسن على خصوص الحاج بمنى ، لأن ما يذبحه هدي لا أضحية . وقد قدمنا أن آية الحج لا تخلو من دلالة على ما ذهب إليه مالك ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء اللّه تعالى .
فإذا رأيت أقوال أهل العلم في حكم الأضحية ، فهذه أدلة أقوالهم ومناقشتها ، وما يظهر رجحانه بالدليل منها ، على سبيل الاختصار .
أما من قال : إنها واجبة فقد استدل بأدلة منها أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يفعلها واللّه يقول :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] الآية .
وقد قدمنا قول من قال من أهل الأصول إن فعله صلى اللّه عليه وسلم الذي لم تعلم جهته من وجوب أو غيره يحمل على الوجوب . وأوضحنا أدلة ذلك . وذكرنا أن صاحب مراقي السعود ذكره بقوله في كتاب السنة في مبحث أفعال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
وكل ما الصفة فيه تجهل * فللوجوب في الأصح يجعل
وذكرنا مناقشة الأقوال فيه في الحج ، وغيره من سور القرآن .
ومن أدلتهم على وجوب الأضحية ما رواه البخاري في صحيحه : حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا الأسود بن قيس : سمعت جندب بن سفيان البجلي قال : شهدت النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم النحر فقال : « من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى ، ومن لم يذبح فليذبح » « 1 » ا ه .
قالوا قوله : فليعد وقوله : فليذبح كلاهما صيغة أمر .
وقد قدمنا أن الصحيح عند أهل الأصول أن الأمر المتجرد عن القرائن ، يدل على الوجوب ، وبينا أدلة ذلك من الكتاب والسنة ، ورجحناه بالأدلة الكثيرة الواضحة كقوله تعالى :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
[ النور : 63 ] الآية . وقوله :
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
( 93 ) [ طه : 93 ] فسمى مخالفة الأمر معصية ، وقوله :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
[ الأحزاب : 36 ] الآية . فجعل أمره وأمر رسوله مانعا من الاختيار ، موجبا للامتثال ، وكقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » « 2 » الحديث إلى آخر
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في الأضاحي حديث 5562 .
( 2 ) . أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الاعتصام حديث 7288 ، ومسلم في الحج حديث 412 .