أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد
فسماه فقيرا مع أن له حلوبة قدر عياله .
وقد ناقشنا أدلة الفريقين مناقشة تبين الصواب في الكتاب المذكور ، فأغناها ذلك عن إعادته هنا ، والعلم عند اللّه تعالى .
وأما المبحث الثاني : وهو ما يجوز الأكل منه ، وما لا يجوز فقد اختلف فيه أهل العلم ، وهذه مذاهبهم وما يظهر رجحانه بالدليل منها : فذهب مالك رحمه اللّه ، وأصحابه إلى جواز الأكل من جميع الهدي واجبه وتطوعه إذا بلغ محله إلا ثلاثة أشياء : جزاء الصيد ، وفدية الأذى ، والنذر الذي هو للمساكين وقال اللخمي : كل هدي واجب في الذمة ، عن حج أو عمرة من فساد أو متعة أو قران ، أو تعدي ميقات ، أو ترك النزول بعرفة نهارا ، أو ترك النزول بمزدلفة أو ترك رمي الجمار أو أخر الحلق يجوز الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده . أما جزاء الصيد ، وفدية الأذى فيؤكل منهما قبل بلوغها محلهما ، ولا يؤكل منهما بعده . وأما النذر المضمون ، إذا لم يسمه للمساكين : فإنه يأكل منه بعد بلوغه محله ، وإن كان منذورا معينا ، ولم يسمه للمساكين ، أو قلده ، وأشعره من غير نذر أكل منه بعد بلوغه محله ، ولم يأكل منه قبله وإن عين النذر للمساكين أو نوى ذلك حين التقليد والإشعار لم يأكل منه قبل ولا بعد .
والحاصل : أن النذر المعين للمساكين لا يجوز له الأكل منه مطلقا ، عند مالك وأن النذر المضمون للمساكين ، حكمه عند المالكية : حكم جزاء الصيد ، وفدية الأذى فيمتنع الأكل منه بعد بلوغه محله ، ويجوز قبله ، لأنه باقي في الذمة حتى يبلغ محله . وأما النذر المضمون الذي لم يسم للمساكين كقوله : عليّ للّه نذر أن أتقرب إليه بنحر هدي ، فله عند المالكية : الأكل منه قبل بلوغ محله ، وبعده ، وقد قدمنا أن هدي التطوع إن عطب في الطريق . لا يجوز له الأكل منه عند المالكية ، وأوضحنا دليل ذلك . هذا هو حاصل مذهب مالك في الأكل من الهدايا ، ولا خلاف في جواز الأكل من الضحايا . وقد قدمنا قول اللخمي من المالكية : أن كل هدي جاز أن يأكل منه : جاز أن يطعم منه من شاء من غني وفقير ، وكل هدي لم يجز له أن يأكل منه ، فإنه يطعمه فقيرا ، لا تلزمه نفقته كالكفارة . وكره ابن القاسم من أصحاب مالك إطعام الذمي من الهدايا كما تقدم . ومذهب أبي حنيفة رحمه اللّه : أنه يأكل من هدي التمتع والقران ، وهدي التطوع إذا بلغ محله ، أما إذا عطب هدي التطوع ، قبل بلوغ محله ، فليس لصاحبه الأكل منه عند أبي حنيفة كما تقدم إيضاحه . ولا يأكل من غير ذلك ، هو ولا غيره من الأغنياء ، بل يأكله الفقراء . هذا حاصل مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه .
وأما مذهب الشافعي رحمه اللّه : فهو أن الهدي إن كان تطوعا ، فالأكل منه مستحب ،