تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
أما المبحث الأول : فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين : للاستحباب ، والندب ، لا للوجوب ، والقرينة الصارفة عن الوجوب في صيغة الأمر : هي ما زعموا من أن المشركين ، كانوا لا يأكلون هداياهم فرخص للمسلمين في ذلك . وعليه فالمعنى : فكلوا إن شئتم ولا تحرموا الأكل على أنفسكم كما يفعله المشركون ، وقال ابن كثير في تفسيره : إن القول بوجوب الأكل غريب ، وعزا للأكثرين أن الأمر للاستحباب قال : وهو اختيار ابن جرير في تفسيره ، وقال القرطبي في تفسيره : فكلوا منها : أمر معناه : الندب عند الجمهور ، ويستحب للرجل ، أن يأكل من هديه وأضحيته ، وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة بالكل ، وأكل الكل وشذت طائفة ، فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية ، ولقوله صلى اللّه عليه وسلم : « فكلوا وادخروا وتصدقوا » « 1 » قال الكيا قوله تعالى :
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا
يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ، ولا التصدق بجميعه . انتهى كلام القرطبي . ومعلوم : أن بيع جميعه لا وجه لحليته ، بل ولا بيع بعضه ، كما هو معلوم . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أقوى القولين دليلا : وجوب الأكل والإطعام من الهدايا والضحايا ، لأن اللّه تعالى قال :
فَكُلُوا مِنْها
في موضعين . وقد قدمنا أن الشرع واللغة دلا على أن صيغة أفعل : تدل على الوجوب إلا لدليل صارف ، عن الوجوب ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك كقوله
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 63 ) [ النور : 63 ] . وأوضحنا جميع أدلة ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك ، منها آية الحج التي ذكرنا عندها مسائل الحج . ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نحر مائة من الإبل فأمر بقطعة لحم من كل واحدة ، منها فأكل منها وشرب من مرقها » « 2 » . وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة ، من تلك الإبل الكثيرة إلا وقد أكل منها أو شرب من مرقها ، وهذا يدل على أن الأمر في قوله :
فَكُلُوا مِنْها
ليس لمجرد الاستحباب والتخيير ، إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها ، وشرب مرقه دون بعض ، وكذلك الإطعام فالأظهر فيه الوجوب . والحاصل : أن المشهور عند الأصوليين : أن صيغة أفعل : تدل على الوجوب إلا لصارف عنه ، وقد أمر بالأكل من الذبائح مرتين ، ولم يقم دليل يجب الرجوع إليه صارف
هامش
( 1 ) . أخرجه عن مسلمة بن الأكوع البخاري في الأضاحي حديث 5569 . ( 2 ) . أخرجه عن جابر بن عبد اللّه مسلم في الحج حديث 147 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 412 | الشنقيطي