تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
عن الوجوب وكذلك الإطعام ، هذا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية ، وقد دلت عليها أدلة الوحي ، كما قدمنا إيضاحه . وقال أبو حيان في البحر المحيط : والظاهر وجوب الأكل والإطعام وقيل باستحبابهما . وقيل : باستحباب الأكل ، ووجوب الإطعام . والأظهر أنه : لا تحديد للقدر الذي يأكله والقدر الذي يتصدق به ، فيأكل ما شاء ويتصدق بما شاء ، وقد قال بعض أهل العلم : يتصدق بالنصف ، ويأكل النصف ، واستدل لذلك بقوله تعالى :
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ
( 28 ) قال : فجزأها نصفين نصف له ، ونصف للفقراء ، وقال بعضهم : يجعلها ثلاثة أجزاء ، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ، ويهدي الثلث ، واستدل بقوله تعالى :
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ
[ الحج : 36 ] فجزأها ثلاثة أجزاء ، ثلث له ، وثلث للقانع ، وثلث للمعتر . هكذا قالوا وأظهرها الأول ، والعلم عند اللّه تعالى ، والبائس : هو الذي أصابه البؤس ، وهو الشدة . قال الجوهري في صحاحه : وبئس الرجل بيأس بؤسا وبئسا : اشتدت حاجته ، فهو بائس وأنشد أبو عمرو :
لبيضاء من أهل المدينة لم تذق * بئيسا ولم تتبع حمولة مجحد
وهو اسم وضع موضع المصدر ا ه منه يعني : أن البئيس في البيت لفظه لفظ الوصف ، ومعناه المصدر ، والفقير معروف ، والقاعدة عند علماء التفسير : أن الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا ، وعلى قولهم : فالفقير هنا يشمل المسكين ، لأنه غير مذكور معه هنا ، وذلك هو مرادهم ، بأنهما إذا افترقا اجتمعا ، ومعلوم خلاف العلماء في الفقير والمسكين في آية الصدقة أيهما أشد فقرا ، وقد ذكرنا حجج الفريقين وناقشناها في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في سورة البلد ، ومما استدل به القائل : إن الفقير أحوج من المسكين ، وأن المسكين من عنده شيء لا يقوم بكفايته قوله تعالى :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ
[ الكهف : 79 ] الآية ، قالوا : فسماهم مساكين ، مع أن عندهم سفينة عاملة للإيجار . ومما استدل به القائلون بأن المسكين أحوج من الفقير : أن اللّه قال في المسكين :
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
( 16 ) [ البلد : 16 ] قالوا : ذا متربة : أي لا شيء عنده . حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر ، ليس له مأوى إلا التراب . قال ابن عباس : هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له « 1 » . وقال مجاهد : هو الذي لا يقيه من التراب لباس ، ولا غيره انتهى من القرطبي . وعضدوا هذا بأن العرب تطلق الفقير على من عنده مال لا يكفيه ، ومنه قول راعي نمير :
هامش
( 1 ) . أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 30 / 130 ، 131 .