لمؤنة رؤوسهن ، وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلته ، بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، لا في حياته . كذا قاله أيضا غيره ، وهو متعين ولا يظن بهن فعله في حياته صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء . انتهى كلام النووي . وقوله : وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء ، فيه عندي نظر لما قدمنا من أزواج النبي بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم لا يقاس عليهن غيرهن ، لأن قطع طمعهن في الرجال بالكلية خاص بهن دون غيرهن ، وهو قد يباح له من الإخلال ببعض الزينة ما لا يباح لغيره حتى إن العجوز من غيرهن لتزين للخطاب ، وربما تزوجت لأن كل ساقطة لها لاقطة . وقد يحب بعضهم العجوز كما قال القائل :
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها * عجوزا ومن يحبب عجوزا يفتد
كثوب اليماني قد تقادم عهده * ورقعته ما شئت في العين واليد
وقال الآخر :
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا * لكان هوى ليلى جديدا أوائله
والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ( 28 )
[ 28 ] .
الضمير في قوله : منها . راجع إلى بهيمة الأنعام المذكورة في قوله تعالى
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
[ الحج : 28 ] وهذا الأكل الذي أمر به هنا منها وإطعام البائس الفقير منها ، أمر بنحوه في خصوص البدن أيضا في قوله تعالى
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[ الحج : 36 ] إلى قوله
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ
[ الحج : 36 ] الآية ففي الآية الأولى : الأمر بالأكل من جميع بهيمة الأنعام الصادق بالبدن ، وبغيرها ، وقد بينت الآية الأخيرة أن البدن داخلة في عموم الآية الأولى .
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يرد نص عام ، ثم يرد نص آخر يصرح بدخول بعض أفراده في عمومه ، ومثلنا لذلك بعض الأمثلة وفي الآية العامة هنا أمر بالأكل ، وإطعام البائس الفقير ، وفي الآية الخاصة بالبدن : أمر بالأكل ، وإطعام القانع والمعتر .
وفي هاتين الآيتين الكريمتين مبحثان .
الأول : حكم الأكل المأمور به في الآيتين هل هو الوجوب لظاهر صيغة الأمر ، أو الندب والاستحباب ؟
المبحث الثاني : فيما يجوز الأكل منه لصاحبه ، وما لا يجوز له الأكل منه ، ومذاهب أهل العلم في ذلك .