فالجواب ، عن حديث ميمونة على تقدير صحته : أن فيه أن رأسها كان محجما ، وهو يدل على أن الحلق المذكور لضرورة المرض ، لتتمكن آلة الحجم من الرأس ، والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها وقد قال تعالى
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ
[ الأنعام : 119 ] .
وأما الجواب : عن حديث مسلم فعلى القول ، بأن الوفرة أطول من اللمة التي هي ما ألم بالمنكبين من الشعر ، فلا إشكال ، لأن ما نزل عن المنكبين طويل طولا يحصل به المقصود . قال النووي في شرح مسلم : والوفرة أشبع ، وأكثر من اللمة . واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر . قاله الأصمعي . انتهى محل الغرض من النووي .
وأما على القول الصحيح المعروف عند أهل اللغة : من أنها لا تجاوز الأذنين . قال في القاموس : والوفرة : الشعر المجتمع على الرأس ، أو ما سال على الأذنين منه أو ما جاوز شحمة الأذن ، ثم الجمة ، ثم اللمة ا ه منه .
وقال الجوهري في صحاحه : والوفرة : الشعر إلى شحمة الأذن ، ثم الجمة ثم اللمة :
وهي التي ألمت بالمنكبين . وقال ابن منظور في اللسان : والوفرة : الشعر المجتمع على الرأس ، وقيل : ما سال على الأذنين من الشعر . والجمع وفار . قال كثير عزة :
كأن وفار القوم تحت رحالها * إذا حسرت عنها العمائم عنصل
وقيل : الوفرة أعظم من الجمة . قال ابن سيده : وهذا غلط إنما هي وفرة ، ثم جمة ، ثم لمة ، والوفرة : ما جاوز شحمة الأذنين ، واللمة : ما ألم بالمنكبين . التهذيب ، والوفرة :
الجمة من الشعر إذا بلغت الأذنين ، وقيل : الوفرة الشعرة إلى شحمة الأذن ، ثم الجمة ثم اللمة ، إلى أن قال : والوفرة شعر الرأس ، إذا وصل شحمة الأذن . انتهى من اللسان .
فالجواب : من أن أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما قصرن رؤوسهن بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، لأنهن كن يتجملن له في حياته ، ومن أجمل زينتهن شعرهن . أما بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، فلهن حكم خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض ، وهو انقطاع أملهن انقطاعا كليا من التزويج ، ويأسهن منه اليأس ، الذي لا يمكن أن يخالطه طمع ، فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه صلى اللّه عليه وسلم إلى الموت . قال تعالى
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً
[ الأحزاب : 53 ] واليأس من الرجال بالكلية ، قد يكون سببا للترخيص في الإخلال بأشياء من الزينة ، لا تحل لغير ذلك السبب . وقال النووي في شرح مسلم في الكلام علي هذا الحديث : قال عياض رحمه اللّه تعالى : والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذون القرون ، والذوائب ، ولعل أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم فعلن هذا بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم لتركهن التزين ، واستغنائهن عن تطويل الشعر وتخفيفا