البقر كذلك إن كان له سنام . واللّه تعالى أعلم .
واعلم : أن التحقيق أن من أهدى إلى الحرم هديا وهو مقيم في بلده ليس بحاج ولا معتمر ، لا يحرم عليه شيء بإرسال الهدي كما هو ثابت في الصحيح ، عن عائشة رضي اللّه عنها ثبوتا لا مطعن فيه فلا ينبغي أن يعول على ما خالفه ، والعلم عند اللّه تعالى ، ولذا ثبت في صحيح البخاري : أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي اللّه عنها أن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قال : من أهدي هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج ، حتى ينحر هديه قالت : عمرة . فقالت عائشة رضي اللّه عنها : ليس كما قال ابن عباس : فتلت قلائد هدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيدي ، ثم قلدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيديه ، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيء أحله اللّه حتى نحر الهدي « 1 » . وحديث عائشة المذكور عند البخاري :
أخرجه مسلم بألفاظ كثيرة معناها واحد ، إلا أن فيه : أن الذي سأل عائشة ابن زياد « 2 » .
والصواب ما في البخاري من أن الذي كتب إليها يسألها هو زياد بن أبي سفيان المعروف بزياد ابن أبيه ، كما نبه عليه غير واحد ، فما في مسلم من كونه ابن زياد ، وهم من بعض الرواة ، وقد قدمنا مرارا أن السنة الثابتة عنه صلى اللّه عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه يجب تقديمها على قول كل عالم ، ولو بلغ ما بلغ من العلم والدين ، وبه تعلم أن التحقيق أن من بعث بهدي ، وأقام في بلده لا يحرم عليه شيء بإرسال هديه ، وأن ما خالف ذلك لا يلتفت إليه ، وإن زعم جماعة أنه مروي عن عمر وابنه ، وعلي وقيس بن سعد بن عبادة ، وسعيد بن جبير وابن سيرين ، وعطاء ، والنخعي ، ومجاهد ، لأن السنة الصحيحة مقدمة على أقوال كل العلماء وكذلك ما قاله سعيد بن المسيب : من أنه لا يجتنب إلا الجماع ليلة جمع : وهي ليلة النحر ، لا يلتفت إليه . للحديث الصحيح المتفق عليه المذكور آنفا ، والحديث الذي رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر ، عن أبيه : الدال على أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج ضعيف ، كما ذكره الحافظ في الفتح ، فلا يعارض به الحديث المتفق عليه . وذكر ابن حجر في الفتح عن الزهري : ما يدل على أن الأمر استقر على حديث عائشة لما بينت به سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم ورجع الناس عن فتوى ابن عباس ، والعلم عند اللّه تعالى .
واعلم : أن التحقيق الذي عليه جمهور أهل العلم : أن من أراد النسك لا يصير محرما بمجرد تقليد الهدي ، ولا يجب عليه بذلك شيء خلافا لما حكاه ابن المنذر عن الثوري وأحمد وإسحاق ، من أنه يصير محرما بمجرد تقليد الهدي ، وخلافا لأصحاب الرأي في قولهم : إن من ساق الهدي ، وأم البيت ثم قلد وجب عليه الإحرام ، لأن إيجاب الإحرام يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه .
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في الحج حديث 1700 .
( 2 ) . أخرجه مسلم في الحج حديث 369 .