تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
اللّه ، ولا من سنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا فعل أحد من الصحابة وأن تمسكهم باية
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ
[ البقرة : 196 ] وبعض الأحاديث ليس في شيء منه حجة ناهضة ، يجب الرجوع إليها ، هذا ما ظهر لنا في هذه المسألة ، والعلم عند اللّه تعالى .

تنبيه

اعلم أن ما يفعله كثير من الحجاج الذين يزعمون التقرب بالهدي ، يوم النحر من ذبح الغنم في أماكن متفرقة من منى لا يقدر الفقراء على الوصول إليها ، والتمكن منها ، وتركها مذبوحة ليس بقربها فقير ينتفع بها ، وتضيع تلك الغنم بكثرة وتنتفخ وينتشر نتن ريحها في أقطار منى ، حتى يعم أرجاءها النتن كأنه نتن الجيف أن كل ذلك لا يجوز وهو إلى المعصية أقرب منه إلى الطاعة . ولا يجوز لمن بسط اللّه يده إقرارهم على ذلك ، لأنه فساد وأذية لسائر الحجاج بالأرواح المنتنة ، وإضاعة للمال ، وإفساد له باسم التقرب إلى اللّه ، ودواء ذلك الداء المنتشر في منى كل سنة أن يعلم كل مهد وكل مضح : أنه يلزمه إيصال لحم ما يتقرب به إلى الفقراء ، فعليه إذا ذبحها أن يؤجر من يسلخها طرية حتى ذبحها أو يسلخها هو ، ويحملها بنفسه أو بأجرة ، حتى يوصلها إلى المستحقين ، لأن اللّه يقول
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ
( 28 ) [ الحج : 28 ] ويقول
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ
[ الحج : 36 ] ولا يمكنه إطعام أحد ممن أمره اللّه بإطعامهم إلا بإيصال ذلك إليهم ، ولو اجتهد في إيصاله إليهم ، لأمكنه ذلك لأنه قادر عليه وعلى من بسط اللّه يده ، أن يعين الحجاج المتقربين بالدماء على طريق الإيصال إلى الفقراء بالطرق الكفيلة بتيسير ذلك كتهيئة عدد ضخم من العاملين للإيجار يوم النحر على سلخ الهدايا والضحايا طرية ، وحمل لحومها إلى الفقراء في أماكنهم ، وكتعدد مواضع الذبح في أرجاء منى ، وفجاج مكة ، ونحو ذلك من الطرق المعينة على إيصال الحقوق لمستحقيها . واعلم : أن التحقيق أن فقراء الحرم هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا منى الآفاقيين ، وحاضري المسجد الحرام ، فإن ذبح في موضع فيه فقراء ، وخلى بينهم وبين الذبيحة أجزأه ذلك لأنه يسر لهم الأكل منها بطريق لا كلفة عليهم فيها ، فكأنه أطعمهم بالفعل ، والعلم عند اللّه تعالى . ومعلوم أن المتمتع إذا لم يجد هديا أنه ينتقل إلى الصوم كما قال تعالى
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[ البقرة : 196 ] . وأظهر قولي أهل العلم عندي أن معنى قوله في الحج : أي في حالة التلبس بإحرام الحج ، لأن الظاهر من اسم الحج هو الدخول في نفس الحج ، وذلك بالإحرام وقال بعض أهل العلم : المراد بالحج أشهره ، واستدل بقوله تعالى
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
[ البقرة :