تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
هديا ، ولا شك أن ذلك عمل منه بقوله تعالى :
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[ البقرة : 196 ] . واستدلالهم بحديث جابر المتقدم عند مسلم قال : « فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية » وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم مردود بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول بالقلب ، لأن حديث جابر المذكور حجة عليهم ، لا لهم وذلك هو عين القلب وإيضاحه أن لفظ الحديث « وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم » والإشارة في قوله : وذلك راجعة إلى الأمر بالهدية ، والاشتراك فيها ، والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم ؛ وذلك إنما وقع يوم النحر ، لأنه لا إحلال من حج البتة قبل يوم النحر . والغريب من الشيخ النووي أنه قال في حديث جابر هذا : وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة ، وقبل الإحرام بالحج ، لأن لفظ الحديث مصرح بأن ذلك عند الأمر بالإحلال من الحج ، وهو يستدل به على وقوعه قبل الإحرام بالحج . والظاهر أن هذا سهو منه أو أنه ذهب ذهنه إلى أنه أمرهم بذلك حين تحللهم من العمرة ، وظن أن اسم الحج لا ينافي ذلك . لأن أصل الإحرام بالحج ، ففسخوه في عمرة ، فلما أحلوا منها صاروا كأنهم محلون من الحج الذي فسخوه فيها ، وهذا محتمل ولكنه بعيد جدا من ظاهر اللفظ لأن الحج الذي أحرموا به لما فسخوه في عمرة زال اسمه بالكلية ، وصار الإحلال من عمرة لا من حج كما ترى ، فحمل لفظ الإحلال من الحج على الإحلال من العمرة حمل للفظ الحديث ، على ما لا يدل عليه بحسب الوضع العربي من غير دليل يجب الرجوع إليه . ولو سلمنا جدليا : أن المراد في حديث جابر المذكور بالإحلال من الحج : هو الإحلال من العمرة التي فسخوا فيها الحج كما هو رأي النووي ، فلا دليل في الحديث أيضا ، لأن غاية ما دل عليه الحديث على التفسير المذكور : أنه أمرهم عند الإحلال من العمرة بالهدي وذلك لا يستلزم أنهم ذبحوه في ذلك الوقت ، بل الأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على أنهم لم يذبحوا شيئا من هداياهم ، قبل يوم النحر ، كما تقدم إيضاحه . واستدلالهم بحديث ابن عباس المتقدم عند الحاكم « أنه صلى اللّه عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه ، فلما وقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعرفة » إلى آخر الحديث المتقدم ، لا دليل فيه ، لأنه محمول على أنه لم يذبحه إلا يوم النحر ، كما فعل جميع الصحابة . وجاء في مسند الإمام أحمد « 1 » التصريح بذلك فصارت رواية أحمد
هامش
( 1 ) . المسند 1 / 307 .