اسم اللّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام : أي وليتقربوا إلى اللّه بدماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، ذاكرين اسم اللّه عليها عند التذكية .
فقد صرح بأن ذلك التقرب بدماء الأنعام الذي هو من جملة ما دعوا إلى الحج من أجله ، أنه في أيام معلومات لا في زمن مطلق مجهول كما ترى .
وقد بينا الأيام المعلومات في أول هذا البحث ، وقد بين صلى اللّه عليه وسلم أول وقتها ، فذكر اسم اللّه على ما رزقه من بهيمة الأنعام : وقت تذكيتها يوم النحر ، ويوضح أن ذكر اسم اللّه عليها إنما هو عند تذكيتها تقربا للّه تعالى بدمائها قوله تعالى
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ
[ 36 ] أي ذكوها قائمة صواف على ثلاثة أرجل كما هو معلوم .
ولا شك أن اللّه جل وعلا في محكم كتابه بين أن الهدي له محل معروف لا يجوز التحلل بحلق الرأس ، قبل بلوغه إياه ، وذلك في قوله
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[ البقرة : 196 ] ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن فيهاه : أنه صلى اللّه عليه وسلم أمر من لم يسق هديا من أصحابه بفسخ حجه في عمرة ، والإحلال من العمرة ، وتأسف هو صلى اللّه عليه وسلم أنه لم يفعل ذلك وقال « لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة » « 1 » .
ولا شك أن المانع له من فسخ الحج في العمرة أنه لا يمكنه التحلل ، وحلق الرأس ، حتى يبلغ الهدي محله .
ومن الضروري البديهي أن هدي التمتع ، لو كان يجوز ذبحه عند الإحلال من العمرة ، أو الإحرام بالحج أنه صلى اللّه عليه وسلم يتحلل بعمرة ، ويذبح هديه عندما تحلل منها ، فيكون متمتعا ذابحا عند الفراغ من العمرة ، أو عند الإحرام بالحج ، فلما صرح بامتناع هذا وعلله بأنه قلد هديه ، وعلم أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر كما هو واضح .
وقد أوضحنا أن جميع أفعاله في الحج ، ويدخل فيها الذبح ووقته كلها بيان لإجمال آيات القرآن كقوله
حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[ البقرة : 196 ] وقوله
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
كما أنه بيان لقوله
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[ آل عمران : 97 ] الآية . ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم مبينا : أن أفعاله في الحج ، بيان للقرآن « لتأخذوا عني مناسككم » وقد قدمنا اتفاق الأصوليين ، على أن فعله صلى اللّه عليه وسلم الذي هو بيان لإجمال نص يقتضي الوجوب : أنه واجب إلى آخر ما قدمناه من الأدلة .
وقد علمت مما ذكرنا أن القائلين بجواز ذبح هدي التمتع عند الإحرام بالحج ، أو بعد الفراغ من العمرة كالشافعي وأبي الخطاب من الحنابلة ، ليس معهم حجة واضحة من كتاب
هامش
( 1 ) . سبق تخريجه .