تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
تعالى
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
[ البقرة : 187 ] مردود أيضا . أما كون التمتع بوجد بإحرام الحج ، والهدي معلق عليه فيلزم وجوده بوجوده ، فقد بينا رده من وجهين بإيضاح قريبا فأغنى عن إعادته هنا . وقولهم : إن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله يعنون أن قوله تعالى :
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ
[ البقرة : 196 ] جعل فيه الحج غاية بحرف الغاية الذي هو إلى ، فيجب تعلق الحكم الذي هو ذبح الهدي بأول الغاية ، وهو الحج وأوله الإحرام ، فيجب الذبح بالإحرام كقوله :
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
[ البقرة : 187 ] فإن حكم إتمام الصيام ينتهي بأول جزء من الليل ، الذي هو الغاية لإتمامه مردود من وجهين . الأول : أن هذا غير مطرد ، فلا يلزم تعلق الحكم بأول ما جعل غاية . ومن النصوص التي لم يتعلق الحكم فيها بأول ما جعل غاية قوله تعالى :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
[ البقرة : 230 ] فنكاحها زوجا غيره جعل غاية لعدم حليتها له ، مع أن أول هذه الغاية الذي هو عقد النكاح ، لا يتعلق به الحكم ، بل لا بد من بلوغ آخر الغاية : وهو الجماع ، ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم « لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » « 1 » فعلم أن التعلق بأول الغاية : لا يلزم على كل حال . الوجه الثاني : أن سنة النبي الثابتة عنه من فعله ، ومفهوم قوله : بينت أن هذا الحكم ، لا يتعلق بأول الغاية ، وإنما يتعلق بآخرها وهو الإحلال الأول : لأنه لم ينحر هدي تمتع ، ولا قران إلا بعد رمي جمرة العقبة ، وفعله فيه البيان الكافي للمراد من الغاية التي يترتب عليها
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
[ البقرة : 196 ] واللّه يقول
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
[ الأحزاب : 21 ] الآية ففعله مبين لقوله
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
لأنه ذبح عن أزواجه المتمتعات يوم النحر ، وأمر أصحابه المتمتعين بذلك ، وخير ما يبين به القرآن بعد القرآن السنة ، واللّه يقول لنبيه صلى اللّه عليه وسلم
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
[ النحل : 44 ] الآية ، وهو صلى اللّه عليه وسلم يبين المناسك بأفعاله ، موضحا بذلك المراد من القرآن ، ويقول « لتأخذوا عني مناسككم » . الثالث : أنه لو جاز له ذبحه قبل يوم النحر ، لجاز الحلق قبل يوم النحر ، وذلك باطل فالحلق لا يجوز ، حتى يبلغ الهدي محله ؛ كما هو صريح القرآن ، والحلق لم يجز قبل يوم النحر ، فالهدي لم يبلغ محله قبل يوم النحر ، وهو واضح كما ترى ، ولذا لم يأذن صلى اللّه عليه وسلم في حجته ، لمن ساق هديا أن يحل ويحلق ، وإنما أمر بفسخ الحج في العمرة من لم يسق
هامش
( 1 ) . أخرجه عن عائشة : البخاري في الطلاق حديث 5265 و 5317 ، ومسلم في النكاح حديث 111 و 112 .