لا يختص بمكان .
ومنها : أن الصوم إنما يؤدي جزؤه الأكبر بعد الرجوع إلى الأهل في قوله تعالى :
وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ
[ البقرة : 196 ] وهذا منتف عن الأصل الذي هو الهدي ، فلا يفعل منه شيء بعد الرجوع إلى الأهل كما ترى .
واستدلالهم : بأنه دم جبران ، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر قياسا على فدية الطيب واللباس مردود من وجهين أيضا .
اعلم أولا : أنا قدمنا أقوال أهل العلم ، ومناقشة أدلتهم مناقشة دقيقة في هدي التمتع هل هو دم جبران ، أو دم النسك كالأضحية ؟ فعلى : أنه دم نسك فسقوط الاستدلال المذكور واضح ، وعلى : أنه دم جبران ، فقياسه على فدية الطيب واللباس يمنعه أمران .
الأول : أنه قياس فاسد الاعتبار لمخالفته السنة الثابتة ، عنه صلى اللّه عليه وسلم .
الثاني : أنه لم يثبت نص صحيح من كتاب ، ولا سنة على وجوب الهدي في الطيب واللباس ، حتى يقاس عليه هدي التمتع ، والعلماء إنما أوجبوا الفدية في الطيب ، واللباس قياسا على الحلق المنصوص في آية الفدية ، والقياس على حكم مثبت بالقياس فيه خلاف معروف بين أهل الأصول . فذهبت جماعة منهم إلى أن حكم الأصل المقيس عليه ، لا بد أن يكون ثابتا بنص ، أو اتفاق الخصمين . وذهب آخرون إلى جواز القياس على الحكم الثابت بالقياس ، كأن تقول هنا : من لبس أو تطيب في إحرامه ، لزمته فدية الأذى ، قياسا على الحلق المنصوص عليه في قوله تعالى
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ
[ البقرة :
196 ] الآية بجامع ارتكاب المحظور ، ثم تقول : ثبت بهذا القياس أن في الطيب واللباس ، فدية فتجعل الطيب واللباس الثابت حكمها بالقياس أصلا ثانيا ، فتقيس عليهما هدي التمتع في جواز التقديم بجامع أن الكل دم جبران ، وكأن تقول : يحرم الربا في الذرة ، قياسا على البر بجامع الاقتيات ، والادخار ، أو الكيل مثلا ثم تقول : ثبت تحريم الربا في الربا في الذرة بالقياس على البر ، فتجعل الذرة أصلا ثانيا ، فتقيس عليها الأرز ، ونحو ذلك فعلى أن مثل هذا لا يصح به القياس ، فسقوط الاستدلال المذكور واضح وعلى القول بصحة القياس عليه ، وهو الذي درج عليه في مراقي السعود بقوله :
وحكم الأصل قد يكون محلقا * لما من اعتبار الأدنى حققا
فهو قياس مختلف في صحته أصلا ، وهو فاسد الاعتبار أيضا ، لمخالفته لسنته صلى اللّه عليه وسلم .
واستدلالهم بقوله تعالى :
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
[ البقرة : 196 ] قائلين : إنه بمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعا ، فيجب الهدي بإحرام الحج ، لأن اسم التمتع يحصل به ، والهدي معلق عليه قالوا : ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله كقوله