فَاطَّهَّرُوا
[ المائدة : 6 ] والفعل المبين لإحمال النص ، لا خلاف فيه كما تقدم إيضاحه .
قالوا : والاحتياط في مثل هذا : لا يلزم ، لأن الاحتياط لا يلزم إلا فيما يثبت وجوبه أو كان وجوبه ، هو الأصل كليلة الثلاثين من رمضان ، إن حصل غيم يمنع رؤية الهلال عادة أما غير ذلك ، فلا يلزم فيه الاحتياط ، كما لو حصل الغيم المانع من رؤية هلال رمضان ليلة ثلاثين من شعبان : فلا يجوز صوم يوم الشك ، ولا يحتاط فيه ، لأنه لم يثبت له وجوب ولم يكن وجوبه هو الأصل إلى آخر أدلتهم ومناقشاتها . فلم نطل بجميعها الكلام ، ولا شك : أن الأدلة التي ذكرها الفريق الأول كقوله
فَاتَّبِعُونِي
[ آل عمران : 31 ] وقوله
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
[ الحشر : 7 ] الآية وقوله
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] الآية وإن لم تكن مقنعة بنفسها في الموضوع ، فلا تقل عن أن تكون عاضدة لما قدمنا من وجوب الفعل الواقع به البيان ، وما سنذكره من غير ذلك وهو الوجه الثاني من وجهي الجواب اللذين ذكرنا :
وهو أن ذلك الفعل الذي هو ذبح هدي التمتع ، والقران يوم النحر ، هو الذي مشى عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين . ودلت عليه الأحاديث ولن يصلح آخر هذه الأمة ، إلا ما أصلح أولها ، ومن أوضح الأدلة الثابتة في ذلك الأحاديث المتفق عليها التي لا مطعن فيها بوجه أنه صلى اللّه عليه وسلم ، أمر أصحابه بفسخ حجهم في عمرة ، وأن يحلوا منها الحل كله ، ثم يحرموا بالحج ، وتأسف على أنه لم يفعل مثل فعلهم وقال « لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة » « 1 » وفي تلك النصوص الصحيحة : التصريح بأمرهم بفسخ الحج في العمرة ومعناه : أنه هو صلى اللّه عليه وسلم ، يجوز له أن يفسخ الحج في العمرة ، كما أمر أصحابه بذلك .
وقد صرح في الأحاديث الصحيحة ، بأن الذي منعه من ذلك ؛ أنه ساق الهدي ، فلو كان هدي التمتع يجوز ذبحه بعد الإحلال من العمرة لجعل الحج عمرة ، وأحل منها ، ونحر الهدي بعد الإحلال منها . ولكن المانع الذي منعه من ذلك هو عدم جواز النحر في ذلك الوقت . والحلق الذي لا يصح الإحلال دونه ، معلق على بلوغ الهدي محله كما قال
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[ البقرة : 196 ] وقد بين صلى اللّه عليه وسلم بفعله الثابت عنه أن محله : منى يوم النحر . وقد قدمنا في سورة البقرة : أن القرآن دل في موضعين ، على أن النحر قبل الحلق .
أحدهما : قوله تعالى
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ .
والثاني : قوله تعالى
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
وقد قدمنا أنه التسمية عند نحرها تقربا للّه ، ثم قال بعد النحر الذي هو معنى الآية
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
ومن قضاء تفثهم : الحلق ، أو التقصير . وقد ثبت في الصحيح « أنه صلى اللّه عليه وسلم حلق قبل أن ينحر وأمر بذلك » « 2 » كما قدمناه في سورة البقرة مستوفى ، ولكنه صلى اللّه عليه وسلم
هامش
( 1 ) . أخرجه عن جابر بن عبد اللّه : البخاري في الحج حديث 1651 و 1785 ، ومسلم في الحج حديث 141 .
( 2 ) . أخرجه البخاري في أبواب العمر والمحصر حديث 1811 .