تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
تجوز مخالفته في نوع الفعل ، ولا في زمانه ، ولا في مكانه إلا فيما أخرجه دليل خاص ، كغير المكان الذي ذبح فيه من منى ، لأنه بين أن منى كلها منحر ، ولم يبين أن الزمن كله وقت نحر ، ومما يؤيد ذلك ما اختاره بعض أهل الأصول ، من أن فعله صلى اللّه عليه وسلم الذي لم يكن بيانا لمجمل ، ولم يعلم هل فعله على سبيل الوجوب ، أو على سبيل الندب أنه يحمل على الوجوب ، لأنه أحوط وأبعد من لحوق الإثم ، إذ على احتمال الندب ، والإباحة لا يقتضي ترك الفعل إثما ، وعلى احتمال الوجوب يقتضي الترك الإثم ، وإلى هذا أشار في مراقي السعود في مبحث أفعاله صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
وكل ما الصفة فيه تجهل * فللوجوب في الأصح يجعل
وقال في شرحه لمراقي السعود المسمى : نشر البنود : يعني أن ما كان من أفعاله صلى اللّه عليه وسلم مجهول الصفة : أي مجهول الحكم ، فإنه يحمل على الوجوب إلى أن قال : وكونه للوجوب هو الأصح ، وهو الذي ذهب إليه الإمام مالك ، والأبهري وابن القصار وبعض الشافعية ، وأكثر أصحابنا وبعض الحنفية ، وبعض الحنابلة . ا ه محل الغرض منه . وقال صاحب الضياء اللامع : وبهذا قال مالك في رواية أبي الفرج ، وابن خويز مقداد وقال به الأبهري ، وابن القصار ، وأكثر أصحابنا ، وبعض الشافعية ، وبعض الحنفية ، وبعض الحنابلة ، وبعض المعتزلة . واستدل أهل هذا القول بأدلة . منها قوله تعالى
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
[ الأحزاب : 21 ] قالوا : معناه : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فله فيه أسوة حسنة ، ويستلزم أن من ليس له فيه أسوة حسنة ، فهو لا يؤمن باللّه واليوم الآخر ، وملزوم الحرام حرام ولازم الواجب واجب . وقالوا أيضا : وهو مبالغة في التهديد ، على عدم الأسوة فتكون الأسوة واجبة ، ولا شك أن من الأسوة اتباعه في أفعاله . ومنها : قوله تعالى :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] قالوا : وما فعله فقد آتاناه ، لأنه هو المشرع لنا بأقواله وأفعاله . وتقريره . ومنها : قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] الآية . ومن اتباعه التأسي به في فعله ، قالوا : وصيغة الأمر في قوله
فَاتَّبِعُونِي
للوجوب . ومنها : أن الصحابة لما اختلفوا ، في وجوب الغسل من الوطء ، بدون إنزال سألوا عائشة ، فأخبرتهم أنها هي ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعلا ذلك ، فاغتسلا « 1 » فحملوا ذلك الفعل الذي هو الغسل ، من الوطء ، بدون إنزال على الوجوب .
هامش
( 1 ) . أخرجه عن عائشة : الترمذي في أبواب الطهارة حديث 108 ، وابن ماجة في الطهارة وسننها حديث 608 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 367 | الشنقيطي