ومنها : أنه صلى اللّه عليه وسلم لما خلع نعليه في الصلاة ، خلعوا نعالهم ، فلما سألهم : لم خلعوا نعالهم ؟ قالوا : رأيناك خلعت نعليك ، فخلعنا نعالنا ، فحملوا مطلق فعله على الوجوب ، فخلعوا مما خلع ، وأقرهم صلى اللّه عليه وسلم على ذلك قالوا : فلو كان الفعل الذي لم يعلم حكمه لا يدل على الوجوب ، لبين لهم أنه لا يلزم من خلعه ، أن يخلعوا ، ولكنه أقرهم على خلع نعالهم ، وأخبرهم أن جبريل أخبره : أن في باطنهما قذرا والقصة في ذلك ثابتة من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه ، عند أحمد « 1 » ، وأبي داود « 2 » ، والحاكم « 3 » وغيرهم . وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث : رواه أبو داود بإسناد صحيح ، ورواه الحاكم في المستدرك . وقال : هو صحيح على شرط مسلم ، وقال الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لحديث أبي سعيد المذكور في المنتقى بعد أن قال المجد في المنتقى : رواه أحمد وأبو داود ا ه الحديث : أخرجه أيضا الحاكم ، وابن خزيمة ، وابن حبان واختلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في العلل الموصول ، ورواه الحاكم من حديث أنس ، وابن مسعود إلى آخر كلامه . ومعلوم أن المخالفين القائلين : بأن الفعل الذي لم يكن بيانا لمجمل ، ولم يعلم حكمه من وجوب لا يحمل على الوجوب ، بل على الندب ، أو الإباحة إلى آخر أقوالهم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا مناقشة معروفة في الأصول قالوا قوله
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
[ الحشر : 7 ] أي ما أمركم به بدليل قوله
وَما نَهاكُمْ عَنْهُ
[ الحشر : 7 ] فهي في الأمر ، والنهي لا في مطلق الفعل ، ولا يخفى أن تخصيص : وما آتاكم ، بالأمر تخصيص لا دليل عليه ، وذكر النهي بعده لا يعينه وقالوا
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
[ آل عمران : 31 ] إنما يكون الاتباع واجبا فيما علم أنه واجب ، أما إذا كان فعله مندوبا فالاتباع فيه مندوب ، ولا يتعين أن الفعل واجب ، على الأمة بالاتباع إلا إذا علم أنه صلى اللّه عليه وسلم ، فعله على سبيل الوجوب .
أما لو كان فعله على سبيل الندب وفعلته الأمة على سبيل الوجوب ، فلم يتحقق الاتباع بذلك قالوا : وكذلك يقال في قوله تعالى
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] الآية فلا تتحقق الأسوة ، إذا كان هو صلى اللّه عليه وسلم فعله ، على سبيل الندب ، وفعلته أمته على سبيل الوجوب ، بل لا بد في الأسوة من علم جهة الفعل ، الذي فيه التأسي قالوا :
وخلعهم نعالهم لا دليل فيه ، لأنه فعل داخل في نفس الصلاة : وإنما أخذوه من قوله صلى اللّه عليه وسلم « صلوا كما رأيتموني أصلي » لأن خلع النعال كأنه في ذلك الوقت من هيئة أفعال الصلاة ، قالوا : وإنما أخذوا وجوب الغسل من الفعل ، الذي أخبرتهم به عائشة ، لأنه صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وجوب الغسل من التقاء الختانين ، أو لأنه فعل مبين لقوله
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً
هامش
( 1 ) . المسند 3 / 20 ، 92 .
( 2 ) . كتاب الصلاة حديث 650 .
( 3 ) . المستدرك ، كتاب الصلاة 1 / 260 .