تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
وأقره الحافظ الذهبي على تصحيح الحديث المذكور ، وقوله في هذا الحديث « فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه فلما وقف بعرفة » إلخ . قد يتوهم منه ، أن ذبح سعد لتيسه كان قبل الوقوف بعرفة . هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بجواز ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر ، وغيره مما زعموه أدلة تركناه لوضوح سقوطه ، ولأنه لا يحتاج في سقوطه ، إلى دليل . وأما الجمهور القائلون : بأنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران قبل يوم النحر فاستدلوا بأدلة واضحة ، وأحاديث كثيرة صحيحة صريحة ، في أن أول وقت نحر الهدي : هو يوم النحر ، وكان صلى اللّه عليه وسلم قارنا كما قدمنا ، ما يدل على الجزم بذلك ، سواء قلنا : إذا بدأ إحرامه ، قارنا أو أدخل العمرة على الحج ، وأن ذلك خاص به كما تقدم . وكانت أزواجه كلهن متمتعات كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة ، إلا عائشة فإنها كانت قارنة على التحقيق كما قدمنا إيضاحه بالأدلة الصحيحة الصريحة ، ولم ينحر عن نفسه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا عن أحد من أزواجه ، إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة ، وكذلك كل من كان معه من المتمتعين ، وهم أكثر أصحابه والقارنين الذين ساقوا الهدي ، لم ينحر أحد منهم البتة ، قبل يوم النحر ، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين ، والمهاجرين ، والأنصار ، وعامة المسلمين فلم يثبت عن أحد من الصحابة ، ولا من الخلفاء : أنه نحر هدي تمتعه ، أو قرانه قبل يوم النحر البتة . فإن قيل : فعله صلى اللّه عليه وسلم لا يتعين به الوجوب ، لإمكان أن يكون سنة لا فرضا ، لأن الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيا ، فلا عموم له ، ولذلك كانت أفعال هيئات صلاة الخوف كلها جائزة ، ولم ينسخ الأخير منها الأول ، وإذا فلا مانع من أن يكون هو ذبح يوم النحر ، مع جواز الذبح قبله . فالجواب من وجهين ، الأول : هو ما تقرر في الأصول ، من أن فعله صلى اللّه عليه وسلم ، إذا كان بيانا لنص فهو محمول على الوجوب ، إن كان الفعل المبين واجبا كما أطبق عليه الأصوليون . وقد قدمنا إيضاحه فقطعه السارق من الكوع مبينا به المراد من اليد في قوله
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
[ المائدة : 38 ] يقتضي الوجوب ، فلا يجوز لأحد القطع من غير الكوع ، وأفعاله في جميع مناسك الحج مبينة للآيات الدالة على الحج ، ومن ذلك الذبائح ، وأوقاتها لأنها من جملة المناسك المذكورة في القرآن المبينة بالسنة . ولذا ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « لتأخذوا عني مناسككم » وإذا يجب الاقتداء به في فعله في نوعه وزمانه ، ومكانه ما لم يكن هنالك قول منه أعم من الفعل كبيانه أن عرفة كلها موقف ، وأن مزدلفة كلها موقف ، وأن منى كلها منحر ، ونحو ذلك ، فلا يختص الحكم بنفس محل موقفه أو نحره . قال صاحب جمع الجوامع عاطفا على ما تعرف به جهة فعله صلى اللّه عليه وسلم من وجوب أو ندب ما نصه : ووقوعه بيانا إلخ . يعني : أن وقوع الفعل بيانا لنص مجمل إن كان مدلول النص