وقد قدمنا نقل النووي ، عن أبي حنيفة : أن وقت وجوبه : هو وقت الإحرام بالحج ، أما وقت نحره فهو عند أبي حنيفة ، وأصحابه : يوم النحر فلا يجوز تقديمه عليه عند الحنفية ، وإن قدمه لم يجزئه ، وينبغي تحقيق الفرق بين وقت الوجوب ، ووقت النحر ، لأن وقت الوجوب إنما تظهر فائدته ، فيما لو مات المحرم هل يخرج الهدي من تركته بعد موته ، ويتعين به وقت ثبوت العذر المجيز للانتقال إلى الصوم ، ولا يلزم من دخول وقت الوجوب ، جواز الذبح .
ومن فوائد ذلك : أنه إن فاته الحج بعد وجوبه بالإحرام ، عند من يقول بذلك ، لا يتعين لزوم الدم . لأنه بفوات الحج انتفى عنه اسم المتمتع : فلا دم تمتع عليه ، وإنما عليه دم الفوات . كما يأتي إن شاء اللّه تعالى .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في وقت ذبح دم التمتع ، والفران فدونك أدلتهم ، ومناقشتها ، وبيان الحق الذي يعضده الدليل منها .
اعلم : أن من قال بجوازه قبل يوم النحر : كالشافعية ، وأبي الخطاب من الحنابلة ، ورواية ضعيفة ، عن أحمد : إن جاء به صاحبه قبل عشر ذي الحجة فقد احتجوا ، واحتج لهم بأشياء . أما رواية أبي طالب عن أحمد : بجواز تقديم ذبحه ، إن قدم به صاحبه ، قبل العشر .
فقد ذكرنا تضعيف صاحب الفروع لها ، وبينا أنها لا مستند لها لأن مستندها مصلحة مرسلة مخالفة لسنة ثابتة .
وأما قول أبي الخطاب : إنه يجوز بإحرام العمرة ، فلا مستند له من كتاب ، ولا سنة ولا قياس . والظاهر : أنه يرى أن هدي التمتع له سببان ، وهما العمرة والحج في تلك السنة ، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة فجاز الإتيان بالمسبب ، كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان ، لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان كفى في وجوب الصوم ، وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى ، ولم تنتف الموانع ، لأن قضاء الصوم فرع عن وجوب سابق في الجملة ، كما أوضحناه في غير هذا الموضع . ولا يخفى سقوط هذا ، كما ترى . وأما الشافعية : فقد ذكروا لمذهبهم أدلة .
منها : أن هدي التمتع حق مالي ، يجب بسببين : هما الحج ، والعمرة .
فجاز تقديمه على أحدهما قياسا ، على الزكاة بعد ملك النصاب ، وقبل حلول الحلول .
ومنها : قوله تعالى
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
[ البقرة : 196 ] قالوا :
قوله
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
أي عليه ما استيسر من الهدي ، وبمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعا ، فوجب حينئذ ، لأنه معلق على التمتع : وقد وجد . قالوا : ولأن ما جعل غاية تعلق