ومنها : أن حديث يعلى من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم بلفظه الصريح في الأمر بإزالة الطيب ، وإنقائه من البدن ، وظاهره العموم لما قدمنا أن خطاب الواحد يعم حكمه الجميع لاستواء الجميع في التكليف ، والعموم القولي لا يعارضه فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه مخصص له كما تقرر في الأصول ، كما أوضحناه سابقا ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود :
في حقه القول بفعل خصا * إن يك فيه القول ليس نصا
فهذا هو حاصل ما أجاب به القائلون : بمنع التطيب ، عند إرادة الإحرام أو كراهته .
وأجاب المخالفون بمنع ذلك كلّه قالوا : دعوى أن التطيب للنساء لا الإحرام ، يرده صريح الحديث في قولها : طيبته لإحرامه ، وادعاء أن اللام للتوقيت ، خلاف الظاهر قالوا وادعاء أن الطيب زال بالمغسل قبل الإحرام تردّه الروايات الصريحة ، عن عائشة : أنها كأنها تنظر إلى وبيص الطيب ، في مفرقه صلى اللّه عليه وسلم وهو محرم ، لأن الوبيص في اللغة : البريق ، واللمعان ، وهو وصف وجودي ، والوصف الوجودي : لا يوصف به المعدوم ، وإنما يوصف به الموجود .
فدل على أن الطيب الموصوف بالوبيص موجود بعينه ، وهو يرد قول ابن العربي أنه لم يرد في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت .
ويؤيده ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا الحسين بن الجنيد الدامغاني : ثنا أبو أسامة ، قال : أخبرني عمر بن سويد الثقفي ، قال : حدثتني عائشة بنت طلحة : أن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها ، حدثتها قالت : « كنا نخرج مع النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة . فنضمد جباهنا بالشك المطيب ، عند الإحرام ، فإذا عرفت إحدانا سأل على وجهها ، فيراه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلا ينهانا » « 1 » ا ه منك والسك بضم السين ، وتشديد الكاف : نوع من الطيب ، يضاف إلى غيره من الطيب ، ويستعمل .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار في حديث أبي داود هذا : سكت عنه أبو داود ، والمنذري ، وإسناده رواته ثقات إلا الحسين بن الجنيد شيخ أبي داود وقد قال النسائي ، لا بأس به ، وقال ابن حبان في الثقات : مستقيم الأمر فيما يروى . ا ه . وقال فيه ابن حجر في التقريب : لا بأس به ، وقال فيه : في تهذيب التهذيب : قال النسائي : لا بأس به . وذكره ابن حبان في الثقات . وقال من أهل سمغان : مستقيم الأمر فيما يروي .
قلت : وقال أحمد بن حمدان العابدي ، ثنا الحسين بن الجنيد ، وكان رجلا صالحا وقال : مسلمة بن القاسم ثقة ا ه منه .
وبما ذكرنا : تعلم أن حديث عائشة المذكور عند أبي داود أقل درجاته أنه حسن ، وقال فيه النووي في شرح المهذب : هذا حديث حسن ، رواه أبو داود بإسناد حسن ا ه
هامش
( 1 ) . أخرجه أبو داود في الحج حديث 1830 .