قالوا فهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان ، عن أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها ، دليل صحيح صريح في مشروعية الطيب قبل الإحرام ، وإن كان أثره باقيا بعد الإحرام ، بل ولو بقي عينه وريحه ، لأن رؤيتها وبيص الطيب في مفارقه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو محرم صريح في ذلك ، قالوا : وقد وردت آثار عن بعض الصحابة بذلك ، تدل على عدم خصوصية ذلك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
قال صاحب نصب الراية : وقيل إن ذلك من خواصه صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه نظر ، فقد رئي ابن عباس محرما ، وعلى رأسه مثل الرب من الغالية ؛ وقال مسلم بن صبح : رأيت ابن الزبير ، وهو محرم ، وفي رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل أعد منه رأس مال . انتهى منه .
فهذا الحديث ، وهذه الآثار : حجة من قال : بالتطيب قبل الإحرام ، ولو كان الطيب يبقى بعد الإحرام .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم وحججهم في هذه المسألة فهذه مناقشة أقوالهم : اعلم أن المالكية ، ومن وافقهم أجابوا عن حديث عائشة المذكور ، بأجوبة :
منها : أنهم حملوه على أنه تطيب ، ثم اغتسل بعده ، فذهب الطيب قبل الإحرام قالوا :
ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى « طيبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه ، ثم أصبح محرما » فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده ، لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ، ولا يبقى مع ذلك طيب ، ويكون قولها : ثم أصبح ينضح طيبا : أي قبل غسله ، وقد سبق في رواية لمسلم : أن ذلك الطيب كان ذريرة وهي مما يذهبه الغسل ، قالوا : وقولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو محرم المراد به : أثره لا جرمه قاله القاضي عياض . وقال ابن العربي :
ليس في شيء من طرق حديث عائشة : أنّ عين الطيب بقيت .
ومنها : أن ذلك التطيب خاص به صلى اللّه عليه وسلم .
ومنها : أن الدوام على الطيب بعد الإحرام كابتداء الطيب في الإحرام ، بجامع الاستمتاع بريح الطيب في حال الإحرام ، في كل منهما قالوا : ومما يؤيد أن ذلك التطيب خاص به صلى اللّه عليه وسلم : أنه لو كان مشروعا لعامة الناس لما أنكره عمر ، وعثمان ، وابن عمر مع علمهم بالمناسك وجلالتهم في الصحابة . ولم ينكر عليهم أحد إلا ما أنكرت عائشة على ابن عمر ولما أنكره الزهري ، وعطاء مع علمهما بالمناسك .
ومنها : أن حديث عائشة المذكور يقتضي إباحة الطيب ، لمن أراد الإحرام ، وحديث يعلى بن أمية : يقتضي منع ذلك ، والمقرر في الأصول : أن الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة ، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 313
مساهمون: الشنقيطي
ص٣١٣