تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
[ البقرة : 196 ] قالوا : فرتب الفدية المذكورة على العذر ، فدل ذلك على أن من ليس له عذر ، لا يكون له هذا الحكم المرتب على العذر خاصة . واحتج بعض أجلاء علماء الشافعية على استدلال الحنفية بالآية المذكورة بأنه قول بدليل الخطاب : يعني مفهوم المخالفة ، والمقرر في أصول الحنفية : عدم الاحتجاج بدليل الخطاب . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : لا يلزم الحنفية احتجاج الشافعية المذكور عليهم لأنهم يقولون : نعم نحن لا نعتبر مفهوم المخالفة ، ولكن نرى أن قوله
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ
الآية ليس فيه تعرض لحكم الحالق لغير عذر ، لا بنفي الفدية المذكورة ، ولا بإثباتها وقد ظهر لنا من دليل آخر خارج عن الآية : أنه يلزمه دم ا ه . ولا خلاف بين أهل العلم : أن صيام الفدية له أن يصومه حيث شاء ، والأظهر عندي في النسك ، والصدقة أيضا أن له أن يفعلهما حيث شاء ، لأن فدية الأذى أشبه بالكفارة منها بالهدي ، ولأن اللّه لم يذكر للفدية محلا معينا ، ولم يذكره النبي صلى اللّه عليه وسلم وسماها نسكا ولم يسمها هديا ، والظاهر أنه لا مانع من أن ينوي بالنسك المذكور الهدي ، فيجري على حكم الهدي ، فلا يصح في غير الحرم ، إلا أنه لا يجوز له الأكل منه ، لأنه في حكم الكفارة ، كما قاله علماء المالكية ، وعند الحنفية ، ومن وافقهم يختص النسك المذكور بالحرم . والعلم عند اللّه تعالى . أما إذا كان الذي حلقه بعض شعر رأسه لا جميعه ، أو كان شعر جسده ، أو بعضه لا شعر الرأس ، فليس في ذلك نص صريح من كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، لأن اللّه جل وعلا إنما ذكر في آية الفدية : حلق الرأس ، وظاهرها حلق جميعه لا بعضه ، والعلماء مختلفون في ذلك ولم يظهر لنا في مستندات أقوالهم . ما فيه مقنع ، يجب الرجوع إليه والعلم عند اللّه تعالى . فذهب مالك رحمه اللّه وأصحابه إلى أن ضابط ما تلزم به فدية : الأذى من الحلق هو حصوا ، أحد أمرين : أحدهما : أن يحصل له بذلك ترفه . والثاني : أن يزيل عنه به أذى . أما حلق القليل من شعر رأسه ، أو غيره مما لا يحصل به ترفه ، ولا إماطة أذى ، فيلزم فيه التصدق بحفنة : وهي يد واحدة ، وكذلك عندهم الظفر الواحد لا لإماطة أذى ، وقتل القملة أو القملات . وقال ابن القاسم في المدونة : ما سمعت بحد فيما دون إماطة الأذى أكثر من حفنة من شيء من الأشياء ، وقد قال في قملة أو قملات حفنة من طعام ، والحفنة بيد واحدة . انتهى بواسطة نقل المواق في شرحه لقول خليل في مختصره ، وفي الظفر الواحد ، لا لإماطة الأذى حفنة . ا ه .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 273 | الشنقيطي