حجة في صورة النزاع بلا خلاف ، والشقاق الخلاف . فقوله : غير ذي الشقاق : أي غير محل النزاع .
واعلم أن جماعة من أهل العلم يقولون : إن أهل مكة ليس لهم التمتع ، ولا القران ، فالعمرة في التمتع والقران ليست لهم ، وإنما لهم أن يحجوا بلا خلاف والعمرة منهم في غير تمتع ، ولا قران جائزة عند جل من لا يرون عمرة التمتع والقران لأهل مكة ، وممن قال لا تمتع ولا قران لأهل مكة : أبو حنيفة وأصحابه ، ونقله بعض الحنيفة عن ابن عمر وابن عباس ، وابن الزبير ، وهو رأي البخاري رحمه اللّه كما ذكره في صحيحه ، ومنشأ الخلاف في أهل مكة هل لهم تمتع أو قران أو لا ؟ هو اختلاف العلماء في مرجع الإشارة في قوله تعالى
ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ البقرة : 196 ] فالذين قالوا : لأهل مكة تمتع وقران كغيرهم ، قالوا : الإشارة راجعة إلى الهدي والصوم ، ومفهومه أن من كان أهله حاضري المسجد الحرام إذا تمتع فلا هدي عليه ولا صوم ، والذين قالوا : ليس لأهل مكة تمتع ولا قران ، قالوا : الإشارة راجعة إلى قوله
فَمَنْ تَمَتَّعَ
[ البقرة : 196 ] أي ذلك التمتع
لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
أما من كان أهله حاضري المسجد الحرام ، فلا تمتع له والقران داخل في اسم التمتع في عرف الصحابة ، كما تقدم إيضاحه ، والذين قالوا هذا القول زعموا أن في الآية بعض القرائن الدالة عليه ، منها التعبير باللام في قوله
لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ
الآية ، لأن اللام تستعمل فيما لنا لا فيما علينا ، والتمتع لنا أن نفعله ، وأن لا نفعله بخلاف الهدي ، فهو علينا وكذلك الصوم عند العجز عن الهدي ، ومنها : أنه جمع في الإشارة بين اللام والكاف ، وذلك يدل على شدة البعد والتمتع أبعد في الذكر من الهدي والصوم .
وأجاب المخالفون : بأن الإشارة ترجع إلى أقرب مذكور وهو الهدي ، والصوم ، وأن الإشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف ، وقد ذكره البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ومنه قوله
ذلِكَ الْكِتابُ
[ البقرة : 2 ] أي هذا القرآن . لأن الكتاب قريب ، ولذا تكثر الإشارة إليه بإشارة القريب كقوله
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء : 9 ] وقوله
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ
[ الأنعام : 92 - 155 ] الآية وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ، ومن إطلاق إشارة البعد على القريب قول خفاف بن ندبة السلمي :
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها * فعمدا على عيني تيممّت مالكا
أقول له والرّمح يأطر متنه * تأمّل خفافا إنني أنا ذلكا
فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد ، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيدا من نفسه قالوا :
واللام تأتي بمعنى على كقوله
وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ الإسراء : 7 ] أي فعليها وقوله تعالى
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ
- [ الإسراء : 109 ] أي على الأذقان ، ومنه قول الشاعر ، وقد قدمناه في أول سورة هود :