تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
تخصيص العمرة منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، وأما القائلون : بأنه لا بد أن يخرج إلى الحل ، وهم جماهير أهل العلم كما قدمنا ، فاستدلوا بدليلين . أحدهما : ما ثبت في الصحيحين ، وغيرهما من : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة في عمرتها من مكة إلى التنعيم وهو أدنى الحل « 1 » . قالوا : فلو كان الإهلال من مكة بالعمرة سائغا لأمرها بالإهلال من مكة ، وأجاب المخالفون عن هذا : بأن عائشة آفاقية والكلام في أهل مكة لا في الآفاقيين ، وأجاب الآخرون عن هذا بأن الحديث الصحيح ، دل على أن من مر ميقات لغيره كان ميقاتا له ، فيكون ميقات أهل مكة في عمرتهم هو ميقات عائشة في عمرتها . لأنها صارت معهم عند ميقاتهم . الدليل الثاني : هو الاستقراء وقد تقرر في الأصول : أن الاستقراء من الأدلة الشرعية ، ونوع الاستقراء المعروف عندهم بالاستقراء التام حجة بلا خلاف ، وهو عند أكثرهم دليل قطعي ، وأما الاستقراء الذي ليس بتام وهو المعروف عندهم بإلحاق الفرد بالأغلب فهو حجة ظنية عند جمهورهم . والاستقراء التام المذكور هو : أن تتبع الأفراد ، فيؤخذ الحكم في كل صورة منها ، ما عدا الصورة التي فيها النزاع ، فيعلم أن الصورة المتنازع فيها حكمها حكم الصور الأخرى التي ليست محل نزاع . وإذا علمت هذا فاعلم أن الاستقراء التام أعني تتبع أفراد النسك ، دل على أن كل نسك من حج أو قران أو عمرة ، غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم ، حتى يكون صاحب النسك زائرا قدما على البيت من خارج كما قال تعالى
يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ
[ الحج : 27 ] الآية . فالمحرم بالحج أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات : وهي في الحل ، والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم ، فجميع صور النسك غير صورة النزاع ، لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم ، فيعلم بالاستقراء التام أن صورة النزاع لا بد فيها من الجمع أيضا بين الحل والحرم ، وإلى مسألة الاستقراء المذكورة أشار في مراقي السعود بقوله :
ومنه الاستقراء بالجزئي * على ثبوت الحكم للكلبيّ
فإن يعم غير ذي الشقاق * فهو حجة بالاتفاق
الخ . وقوله : فإن يعم البيت : يعني أن الاستقراء إذا عم الصور كلها غير صورة النزاع فهو
هامش
( 1 ) . أخرجه عن عبد اللّه بن أبي بكر الصديق : البخاري في أبواب العمرة والمحصر حديث 1784 ، والجهاد والسير حديث 2985 ، ومسلم في الحج حديث 135 ، وأبو داود في المناسك حديث 1995 ، والترمذي في الحج حديث 934 ، وابن ماجة في المناسك حديث 2999 ، وأحمد في المسند 1 / 197 ، 198 ، والدارمي في المناسك ، باب الميقات في العمرة 2 / 52 .