تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
ينصرف إذا رمى وهذا الترتيب على النحو الذي ذكرنا هو الذي فعله النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأمر بأخذ المناسك عنه . فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب المذكور . ففي صحيح البخاري رحمه اللّه من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما : أنه كان يرمي الجمرة الدنيا ، بسبع حصيات ، يكبر على إثر كل حصاة ، ثم يتقدّم ، حتى يسهل ، فيقوم مستقبل القبلة ، فيقوم طويلا ، ويدعو ويرفع يديه ، ثم يرمي الوسطى ، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل ، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ، ولا يقف عندها ، ثم ينصرف فيقول : هكذا رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يفعله « 1 » ا ه . روى البخاري هذا الحديث في ثلاثة أبواب متوالية ، وهو نص صحيح صريح في الترتيب المذكور ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « لتأخذوا عني مناسككم » فإن لم يرتب الجمرات ، بأن بدأ بجمرة العقبة لم يجزئه الرمي منكسا لأنه خالف هدي النبي صلى اللّه عليه وسلم وفي الحديث « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ » « 2 » وتنكيس الرمي عمل ليس من أمرنا ، فيكون مردودا ، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وجمهور أهل العلم ، وقال أبو حنيفة : الترتيب المذكور سنة ، فإن نكس الرمي أعاده وإن لم يعد أجزأه ، وهو قول الحسن وعطاء ، واحتجوا بأدلة لا تنهض . وعلى الصحيح الذي هو قول الجمهور : إن الترتيب شرط لو بدأ بجمرة العقبة ، ثم الوسطى ، ثم الأولى أو بدأ بالوسطى ، ورمى الثلاث لم يجزه إلا الأولى ، لعدم الترتيب في الوسطى والأخيرة ، فعليه أن يرمي الوسطى ، ثم الأخيرة ، ولو رمى جمرة العقبة . ثم الأولى ، ثم الوسطى أعاد جمرة العقبة وحدها هذا هو الظاهر . واعلم أن العلماء اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الرمي ، ليس فيها نص ، وسنذكر هنا بعض ذلك مما يظهر لنا أنه أقرب للصواب ، مع الاختصار ، لعدم النصوص في ذلك . فمن ذلك : أن الأقرب فيما يظهر لنا أنه لا بد من رمي الحصاة بقوة ، فلا يكفي طرحها ، ولا وضعها باليد في المرمى ، لأن ذلك ليس برمي في العرف ، خلافا لمن قال : إنه رمي ، وأنه لا بد من وقوع الحصاة في نفس المرمى ، وهو الجمرة التي يحيط بها البناء واستقرارها فيه خلافا لمن قال : إنها إن وقعت في المرمى ثم تدحرجت حتى خرجت منه : أنه يجزئه ، وأنها لو ضربت شيئا دون المرمى ، ثم طارت ، وسقطت في المرمى : أن ذلك يجزئه ، بخلاف ما لو جاءت في محمل ، أو في ثوب رجل ، فتحرك المحمل أو الرجل فسقطت في المرمى ، فإنها لا تجزىء ، وكذلك لو جاءت دون المرمى ، فأطارت حصاة أخرى ، فجاءت هذه الحصاة الأخرى في المرمى ، فإنها لا تجزئه ؛ لأن الحصاة التي رماها لم تسقط في المرمى ، وإنما وقعت فيه الحصاة التي أطارتها ، وأنها إن أخطأت المرمى ،
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في الحج حديث 1751 و 1752 . ( 2 ) . سبق تخريجه .