والدليل على ذلك : أنه لو لم يحلق حتى طاف بالبيت لم يحل له شيء حتى يحلق ، وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق ، إلا أن الحلق عندهم بعد رمي جمرة العقبة ، وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر ، ومذهب الشافعي في هذه المسألة هو : أنه على القول بأن الحلق نسك ، يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة هي : رمي جمرة العقبة ، والحلق ، وطواف الإفاضة ، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة تحلل التحلل الأول ، وإن فعل الثالث منها تحلل التحلل الثاني ، وبالأول يحل عنده كل شيء إلا النساء ، وبالثاني تحل النساء ، وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك ، فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين : هما رمي جمرة العقبة ، وطواف الإفاضة . ويحصل التحلل الثاني بفعل الثاني ، ومذهب الإمام أحمد هو أنه إن رمى جمرة العقبة ، ثم حلق تحلل التحلل الأول ، وبه يحل عنده كل شيء إلا النساء ، فإن طاف طواف الإفاضة ، حلت له النساء .
وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكره : أن هذا هو الصحيح من مذهب أحمد . وهذا قول ابن الزبير ، وعائشة وعلقمة ، وسالم ، وطاوس ، والنخعي ، وعبد اللّه بن الحسين ، وخارجة بن زيد ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي ، وروي أيضا عن ابن عباس ، وعن أحمد أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج ، لأنه أغلظ المحرمات ، ويفسد النسك ، بخلاف غيره . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : يحل له كل شيء ، إلا النساء ، والطيب . وروي ذلك عن ابن عمر وعروة بن الزبير ، وعباد بن عبد اللّه بن الزبير ، لأنه من دواعي الوطء فأشبه القبلة ، وعن عروة : أنه لا يلبس القميص ، ولا العمامة ، ولا يتطيب ، وروي في ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم حديثا انتهى كلام صاحب المغني .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في المسألة ، فهذه تفاصيل أدلتهم .
أما حجة مالك في أن التحلل الأول يحل به ما سوى النساء والصيد والطيب : أما بالنسبة إلى الصيد ، فلم أر له مستندا من النقل ، إلا أمرين :
أحدهما : أثر مروي عن مكحول عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : إذا رميتم الجمرة ، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب والصيد : ذكر هذا الأثر صاحب المهذب ، وقال النووي في شرحه : وأما الأثر المذكور عن عمر رضي اللّه عنه فهو مرسل . لأن مكحولا لم يدرك عمر فحديثه عند منقطع ومرسل . واللّه أعلم .
والثاني : التمسك بظاهر قوله تعالى :
لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
[ المائدة : 95 ] لأن حرمة الجماع المتفق عليها بعد رمي جمرة العقبة ، دليل على بقاء إحرامه في الجملة ، فيشمله عموم
لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ،
لأنه لو زال حكم إحرامه بالكلية ، لما حرم عليه الوطء .