الدقائق في الفقه الحنفي : ولو أخر الرمي إلى الليل رماها ، ولا شيء عليه ، لأن الليل تبع لليوم في مثل هذا ، كما في الوقوف بعرفة ، فإن أخره إلى الغد رماه وعليه دم انتهى كرماني انتهى منه .
وقال بعض أهل العلم : إن غربت الشمس من يوم النحر ، وهو لم يرم جمرة العقبة ، لم يرمها في الليل ، ولكن يؤخر رميها ، حتى تزول الشمس من الغد ، قال ابن قدامة في المغني : فإن أخرها إلى الليل ، لم يرمها ، حتى تزول الشمس من الغد وبهذا قال أبو حنيفة ، وإسحاق ، وقال الشافعي ومحمد بن المنذر ويعقوب : يرميها ليلا لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « ارم ولا حرج » انتهى من المغني .
فإذا عرفت أقوال أهل العلم في الرمي ليلا هل يجوز أولا ؟ وعلى جوازه هل هو أداء أو قضاء ؟
فاعلم أن من قال بجواز الرمي ليلا ، استدل بما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : من أنه لا حرج على من رمى بعد ما أمسى ، قال البخاري في صحيحه : حدثنا علي بن عبد اللّه ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فيقول « لا حرج ، فسأله رجل فقال : حلقت قبل أن أذبح ؟ قال : اذبح ولا حرج ، وقال : رميت بعد ما أمسيت ؟ فقال : لا حرج » « 1 » قالوا : قد صرح النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن من رمى بعد ما أمسى لا حرج عليه ، واسم المساء يصدق بجزء من الليل .
واعلم أن من قالوا : لا يجوز الرمي ليلا ردوا الاستدلال بهذا الحديث قائلين : إن مراد السائل بقوله بعد ما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل قالوا :
والدليل الواضح على ذلك : أن حديث ابن عباس المذكور فيه : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يسأل يوم النحر بمنى الحديث ، فتصريحه بقوله يوم النحر ، يدل على أن السؤال وقع في النهار والرمي بعد الإمساء ، وقع في النهار ، لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل .
قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور : قال : رميت بعد ما أمسيت : أي بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام ، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل انتهى منه .
وقال ابن منظور في : لسان العرب المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب ، وقال بعضهم : إلى نصف الليل ا ه .
قالوا : فالحديث صريح في أن المراد بالإمساء فيه آخر النهار ، بعد الزوال لا الليل ، وإذا فلا حجة فيه للرمي ليلا ، وأجاب القائلون : بجواز الرمي ليلا عن هذا بأجوبة :
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في الحج حديث 1735 .