والعلم عند اللّه تعالى .
ولا يخفى أن حجة من قالوا : بإتمام أهل مكة صلاتهم في عرفة ومزدلفة ومنى ، هو ما قدمنا من تحديدهم للمسافة بأربعة برد أو ثلاثة أيام . وعرفة ومزدلفة ومنى أقل مسافة من ذلك ، قالوا : ومن سافر دون مسافة القصر أتم صلاته ، هذا هو دليلهم .
الفرع الخامس : اعلم أن الصعود على جبل الرحمة الذي يفعله كثير من العوام لا أصل له ، ولا فضيلة فيه ، لأنه لم يرد في خصوصه شيء بل هو كسائر أرض عرفة ، وعرفة كلها موقف ، وكل أرضها سواء إلا موقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فالوقوف فيه أفضل من غيره ، كما قاله غيره واحد ، وبذلك تعلم أنما قاله أبو جعفر بن جرير الطبري والماوردي من استحباب صعود جبل الرحمة لا يعول عليه . والعلم عند اللّه تعالى .
والتحقيق : أن عرنة ليست من عرفة ، فمن وقف بعرنة لم يجزئه ذلك وما يذكر عن مالك ، من أن وقوفه بعرنة يجزئ ، وعليه دم ، خلاف التحقيق الذي لا شك فيه ، والظاهر أنه لم يصح عن مالك .
المسألة الثامنة : لا خلاف بين العلماء أنه إن غربت الشمس واستحكم غروبها ، وهو واقف بعرفة ، أفاض منها إلى المزدلفة ،
وذلك هو معنى قوله تعالى
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
[ البقرة : 199 ] الآية . كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة .
وقد بينت الأحاديث الصحيحة كيفية إفاضته من عرفات ، ففي حديث جابر الطويل عند مسلم « فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص .
وأردف أسامة خلفه . ودفع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزّمام . حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله . ويقول بيده اليمنى « أيها الناس ! السكينة السكينة » كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا . حتى تصعد . حتى أتى المزدلفة . فصلى بها المغرب والعشاء » « 1 » الحديث ، وقول جابر في هذا الحديث : وقد شنق للقصواء الزمام ، يعني أنه يكفها بزمامها عن شدة المشي ، والمورك بفتح الميم وكسر الراء : هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدم واسطة الرحل ، إذا مل من الركوب . وضبطه القاضي عياض بفتح الراء قال : وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب ، تجعل في مقدمة الرحل ، شبه المخدة الصغيرة ، وقوله : ويقول بيده السكينة السكينة : أي يأمرهم بالسكينة مشيرا بيده ، والسكينة : الرفق والطمأنينة ، وقول جابر في هذا الحديث : كلما أتى حبلا من الحبال : هو بالحاء المهملة ، والباء الموحدة ، والمراد بالحبل في حديثه : الرمل المستطيل المرتفع ، ومنه قول ذي الرمة :
ويوما بذي الأرطى إلى جنب مشرف * بوعسائه حيث اسبطرت حبالها
هامش
( 1 ) . أخرجه مسلم في الحج حديث 147 .