تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أما من اقتصر في وقوفه على الليل دون النهار ، أو النهار من بعد الزوال ، دون الليل ، فأظهر الأقوال فيه دليلا : عدم لزوم الدم . أما المقتصر على الليل فلحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي اللّه عنه ، الذي قدمناه قريبا ، وبينا أنه صحيح . وفيه عند أحمد والنسائي : فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه . هذا لفظ النسائي « 1 » ، ولفظ أحمد : من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع ، فقد تم حجه « 2 » ، ا ه . ولفظ أحمد المذكور بواسطة نقل ابن حجر في التلخيص فقوله صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث الثابت : فقد تم حجه مرتبا ذلك على إتيانه عرفة ، قبل طلوع فجر يوم النحر ، نص صريح في أن المقتصر على الوقوف ليلا : أن حجه تام ، وظاهر التعبير بلفظ التمام ، عدم لزوم الدم ، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو السنة ، وعلى هذا جمهور أهل العلم ، خلافا للمالكية . وأما المقتصر على النهار دون الليل ، فلحديث عروة بن مضرس الطائي ، وقد قدمناه قرينا ، وبينا أنه صحيح ، وبينا أن فيه : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال فيه : وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه ، وقضى تفثه ، فقوله صلى اللّه عليه وسلم : فقد تم حجه مرتبا له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلا أو نهارا ، يدل على أن الواقف نهارا يتم حجه بذلك ، والتعبير بلفظ التمام ظاهر ، في عدم لزوم الجبر بالدم ، كما بيناه فيما قبله ، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث ، وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار ، هو الصحيح من مذهب الشافعي ، لدلالة هذا الحديث على ذلك ، كما ترى . والعلم عند اللّه تعالى . وأما الاكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال ، فقد قدمنا : أن ظاهر حديث ابن مضرس المذكور ، يدل عليه ، لأن قوله صلى اللّه عليه وسلم : أو نهارا ، صادق بأول النهار وآخره . كما ذهب إليه الإمام أحمد . ولكن فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وخلفائه من بعده ، كالتفسير للمراد بالنهار ، في الحديث المذكور ، وأنه بعد الزوال ، وكلاهما له وجه من النظر ، ولا شك أن عدم الاقتصار على أول النهار أحوط ، والعلم عند اللّه تعالى . وحجة مالك : في أن الوقوف نهارا لا يجزئ إلا إذا وقف معه جزءا من الليل : هي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم فعل كذلك ، وقال : « لتأخذوا عني مناسككم » فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الجمع في الوقوف بين الليل والنهار ، ولا يخفى أن هذا لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح في محل النزاع الذي فيه ، وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه كما ترى . واعلم : أنه إن وقف بعد الزوال بعرفة ثم أفاض منها قبل الغروب ثم رجع إلى عرفة
هامش
( 1 ) . كتاب مناسك الحج ، باب فرض الوقوف بعرفه . ( 2 ) . المسند 4 / 309 ، 335 .