ذلك سواء ، وأن حديث « أتموا فإنا قوم سفر » « 1 » إنما قاله لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم في مكة لا في عرفة ولا في مزدلفة ، وروى مالك بإسناده الصحيح في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه « أنه لما قدم مكة صلى بهم ركعتين ، ثم انصرف فقال : يا أهل مكة : أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر . ثم صلى عمر بن الخطاب ركعتين بمنى ، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئا ، وممن قال بأن أهل مكة يقصرون بعرفة ومزدلفة ومنى : مالك ، وأصحابه ، والقاسم بن محمد ، وسالم ، والأوزاعي . وممن قال بأن أهل مكة يتمون صلاتهم في عرفة ، ومزدلفة ، ومنى : الأئمة الثلاثة : أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وعطاء ، ومجاهد ، والزهري ، وابن جريج ، والثوري ، ويحيى القطان ، وابن المنذر ، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني ، وعزا النووي هذا القول للجمهور .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : لا يخفى أن ظاهر الروايات : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم وجميع من معه جمعوا وقصروا ، ولم يثبت شيء يدل على أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه في منى ولا مزدلفة ولا عرفة ، بل ذلك الإتمام في مكة ، وقد قدمنا أن تحديد مسافة القصر لم يثبت فيه شيء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم .
وأنّ أقوى الأقوال دليلا : هو أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لغة تقصر فيه الصلاة كما أوضحنا ذلك بأدلته في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى :
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
[ النساء : 101 ] الآية .
وقال العلامة ابن القيم رحمه اللّه في زاد المعاد ما نصه : فلما أتمها يعني الخطبة ، يوم عرفة ، أمر بلالا ، فأذن ، ثم أقام فصلى الظهر ركعتين ، أسر فيهما بالقراءة ، وكان يوم الجمعة . فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة ، ثم أقام ، فصلى العصر ركعتين أيضا ، ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصرا وجمعا بلا ريب ، ولم يأمرهم بالإتمام ، ولا بترك الجمع ، ومن قال إنه قال لهم « أتموا صلاتكم فإنّا قوم سفر » فقد غلط عليه غلطا بينا ، ووهم وهما قبيحا ، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة ، حيث كانوا في ديارهم مقيمين ، ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون ، ويجمعون بعرفة ، كما فعلوا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم .
وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة ، ولا بأيام معلومة ، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة ، وإنما التأثير لما جعله اللّه سببا ، وهو السفر . هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه الملحدون . انتهى كلام ابن القيم رحمه اللّه .
وقد قدمنا قول من قال : إن القصر والجمع المذكور ، لأهل مكة من أجل النسك ،
هامش
( 1 ) . أخرجه عن أبي نضرة البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة 3 / 136 .