الصفا والمروة ، وهو على راحلته ، ومعلوم أن من أهل العلم من يقول : لا يجزئه السعي ، ولا الطواف راكبا إلا لضرورة ومنهم : من منع الركوب في الطواف ، وكرهه في السعي إلا لضرورة ، ومنهم من يقول : إن ركب ولم يعد سعيه ماشيا ، حتى رجع إلى وطنه فعليه الدم .
والأظهر هو ما قدمنا ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم طاف راكبا ، وسعى راكبا ، وهو صلوات اللّه وسلامه عليه لا يفعل إلا ما يسوغ فعله ، وقد قال لنا « خذوا عني مناسككم » والذين قالوا : إن الطواف والسعي يلزم فيهما المشي . قالوا : إن ركوبه لعلة وبعضهم يقول : هي كونه مريضا كما جاء في بعض الروايات ، وبعضهم يقول : هي أن يرتفع ، ويشرف حتى يراه الناس ويسألوه ، وبعضهم يقول : هي كراهيته أن يضرب عنه الناس ، وقد قدمنا الروايات بذلك في صحيح مسلم ، ففي حديث جابر عند مسلم : طاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه ، لأن يراه الناس وليشرف ، وليسألوه فإن الناس قد غشوه . وفي رواية في صحيح مسلم عن جابر رضي اللّه ، طاف النبي صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع ، على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس ، وليشرف ، وليسألوه فإن الناس قد غشوه .
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي اللّه عنها : طاف النبي صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن ، كراهية أن يضرب عنه الناس .
المسألة السابعة : اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الوقوف بعرفة :
ركن من أركان الحج لا يصح الحج بدونه ، وأنهم أجمعوا على أن الوقوف ينتهي وقته بطلوع فجر يوم النحر ، فمن طلع فجر يوم النحر ، وهو لم يأت عرفة فقد فاته الحج إجماعا ، ومن جمع في وقوف عرفة بين الليل والنهار وكان جزء النهار الذي وقف فيه من بعد الزوال فوقوفه تام ، ومن اقتصر على جزء من الليل دون النهار صح حجه ، ولزمه دم عند المالكية ، خلافا لجماهير أهل العلم القائلين : بأنه لا دم عليه ، وما ذكره النووي عن بعض الخراسانيين : من أن الوقوف بالليل لا يجزئ ولا يصح به الحج ، حتى يقف معه بعض النهار ظاهر السقوط لمخالفته للنص ، وعامة أهل العلم ، ومن اقتصر على جزء من النهار دون الليل لم يصح حجه عند مالك ، وهو رواية عن أحمد ، وعند الشافعي ، وأبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى : حجه صحيح ، وعليه دم ، ولا خلاف بين العلماء : أن عرفة كلها موقف .
والدليل على أن الوقوف بعرفة ركن ، وأن وقته ينتهي بطلوع الفجر ليلة النحر : ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن ، وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الدّيليّ رضي اللّه عنه : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « الحج عرفة ، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج » قال ابن حجر في التلخيص الحبير في هذا الحديث : رواه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان ، والحاكم ، والدارقطني ، والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن يعمر ، قال : شهدت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو واقف بعرفة ، وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا : يا رسول اللّه كيف الحج ؟ فقال « الحج عرفة من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه » لفظ أحمد وفي رواية لأبي داود