السرائر وما تخفى الضمائر فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم .
الثاني : وبه قال مجاهد والسدي والحسن البصري ، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره أنهم قالوا : لا علم لنا ، لما اعتراهم من شدة هول يوم القيامة ، ثم زال ذلك عنهم فشهدوا على أممهم .
والثالث : وهو أضعفها ، أن معنى قوله : ماذا أجبتم ، ماذا عملوا بعدكم ، وما أحدثوا بعدكم ؟ قالوا : لا علم لنا . ذكر ابن كثير وغيره هذا القول ، ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن .
قوله تعالى :
قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
[ 115 ] .
هذه الآية الكريمة تدل على أن أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة .
وقد جاء في بعض الآيات ما يوهم خلاف ذلك كقوله :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
[ النساء : 145 ] وقوله
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
[ غافر : 46 ] .
والجواب : أن آية
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ
وآية :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ *
لا منافاة بينهما ، لأن كلا من آل فرعون والمنافقين في أسفل دركات النار في أشد العذاب ، وليس في الآيتين ما يدل على أن بعضهم أشد عذابا من الآخر .
وأما قوله :
فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ
الآية . فيجاب عنه من وجهين :
الأول : وهو ما قاله ابن كثير : أن المراد بالعالمين عالمو زمانهم وعليه فلا إشكال ، ونظيره قوله تعالى :
وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
[ البقرة : 47 ] كما تقدم .
الثاني : ما قاله البعض : من أن المراد به العذاب الدنيوي الذي هو مسخهم خنازير ، ولكن يدل لأنه عذاب الآخرة ما رواه ابن جرير عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما أنه قال : « أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة : المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون » « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 7 / 88 .