تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
واقعا مجاز عقلي ، وجمهور البيانيين يثبتون الاستعارة على أنها مجاز لغوي وقسيمها المجاز المرسل ويردون قول من نفاها من أصلها زاعما أنها مجاز عقلي ، بأن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به مبني على أنه جعل أفراد الأسد مثلا بطريق التأويل قسمين . أحدهما المتعارف وهو الذي له غاية الجرأة وكمال القوة في مثل تلك الجثة ذات الأنياب والأظفار . والثاني غير المتعارف وهو الذي له تلك الجرأة لكن لا في تلك الجثة المخصوصة والهيكل المخصوص . ولفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف . فاستعماله في غير المتعارف استعمال له في غير ما وضع له والقرينة مانعة عن إرادة المعنى المتعارف ليتعين غير المتعارف . قالوا وبهذا يندفع ما يقال إن الإصرار على دعوى الأسدية للرجل الشجاع ينافي نصب القرينة لمانعة عن إرادة الأسد وأجابوا عن التعجب في بيت ابن العميد وعن النهي عنه في بيت الشريف المتقدمين ، بأن ذلك مبني على تناسي التشبيه قضاء لحق المبالغة ودلالة على أن المشبه بحيث لا يتميز عن المشبه به حتى إن كل ما يترتب على المشبه به من التعجب والنهي عنه يترتب على المشبه أيضا . وقس على ذلك بيت المتنبي وفرقوا بين الاستعارة والكذب بأمرين . الأول : بناء الدعوى في الاستعارة على التأويل في دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به بجعل أفراد المشبه به قسمين متعارف وغير متعارف كما مر . والثاني : نصب القرينة على أن المراد بها خلاف الظاهر ، فإن الكاذب يتبرأ من التأويل ولا ينصب دليلا على خلاف ربه . بل يجتهد في ترويج ظاهره ، وعلى كل حال فقد عرفت مرادهم ولا يخفي عليك أن ادعاء دخول الرجل الشجاع في حقيقة الحيوان المفترس مكابرة ضرورية البطلان لتنافي حقيقتيهما والحكم بأحد المتنافيين على الآخر إيجابا باطل بإجماع العقلاء . ومعلوم أن الجنس لا يجوز نفيه عن أي فرد من أفراده . والتحقيق الذي لا تناقض فيه هو ما قدمناه من أن العرب تطلق لفظ الأسد على الحيوان المفترس ، وتطلقه على الرجل الشجاع في حالة اقترانه بما يدل على ذلك . والكل من أساليب اللغة العربية ، وكلا الإطلاقين حقيقة في محله كما تقدم . ومما يدل لذلك أن القائلين بالمجاز يجيزون نفيه دون الحقيقة ، مع ادعائهم دخول المجاز في جنس الحقيقة كما تقدم . فيلزم على ذلك كون القضية الواحدة جائزة النفي غير جائزته ، لأنها باعتبار الحقيقة لا يجوز نفيها وباعتبار المجاز يجوز نفيها . والفرض