تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
بذلك الفرض المتروك لا بالعقائد ، ونحو ذلك لأنه أنفع . ومنها : أن « إن » بمعنى « قد » وهو قول قطرب . ومنها : أنها صيغة شرط أريد بها ذم الكفار واستبعاد تذكرهم . كما قال الشاعر :
لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي
ومنها : غير ذلك . والذي يظهر لمقيد هذه الحروف عفا اللّه عنه ، هو بقاء الآية الكريمة على ظاهرها ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن يكرر لذكرى تكريرا تقوم به حجة اللّه على خلقه مأمور بالتذكير عند ظن الفائدة ، أما إذا علم الفائدة فلا يؤمر بشيء هو عالم أنه لا فائدة فيه ، لأن العاقل لا يسعى إلى ما لا فائدة فيه . وقد قال الشاعر :
لما نافع يسعى اللبيب فلا تكن * لشيء بعيد نفعه الدهر ساعيا
وهذا ظاهر ، ولكن الخفاء في تحقيق المناط . وإيضاحه أن يقال : بأي وجه يتيقن عدم إفادة الذكرى ، حتى يباح تركها . وبيان ذلك أنه تارة يعلمه بإعلام اللّه به ، كما وقع في أبي لهب ، حيث قال تعالى فيه :
سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ( 3 ) وَامْرَأَتُهُ
[ المسد : 3 - 4 ] الآية . فأبو لهب هذا وامرأته لا تنفع فيهما الذكرى ، لأن القرآن نزل بأنهما من أهل النار بعد تكرار التذكير لهما ، تكرارا تقوم عليهما به الحجة ، فلا يلزم النّبي صلى اللّه عليه وسلم بعد علمه بذلك أن يذكرهما بشيء ، لقوله تعالى في هذه الآية :
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
[ الأعلى : 9 ] . وتارة يعلم ذلك بقرينة الحال ، بحيث يبلغ على أكمل وجه ، ويأتي بالمعجزات الواضحة ، فيعلم أن بعض الأشخاص عالم بصحة نبوته ، وأنه مصر على الكفر عنادا ولجاجا . فمثل هذا لا يجب تكرير الذكرى له دائما ، بعد أن تكرر عليه تكريرا تلزمه به الحجة . وحاصل إيضاح هذا الجواب أن الذكرى تشتمل على ثلاث حكم : الأولى : خروج فاعلها من عهدة الأمر بها . الثانية : رجاء النفع لمن يوعظ بها ، وبين اللّه تعالى هاتين الحكمتين بقوله تعالى :
قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
[ الأعراف : 164 ] . وبين الأولى منهما بقوله