بعض المسائل من غير وحي في خصوصه ، كإذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم ، وكأسره لأسارى بدر ، وكأمره بترك تأبير النحل ، وكقوله : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت » « 1 » الحديث ، إلى غير ذلك .
وأن معنى قوله تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
لا إشكال فيه لأن النّبي صلى اللّه عليه وسلم لا ينطق بشيء من أجل الهوى ولا يتكلم بالهوى .
وقوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
يعني أن كل ما يبلغه عن اللّه فهو وحي من اللّه لا بهوى ولا بكذب ولا افتراء . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ 39 ] .
هذه الآية الكريمة تدل على أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره .
وقد جاءت آية أخرى تدل على أن بعض الناس ربما انتفع بعمل غيره وهي قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ
[ الطور : 21 ] الآية . فرفع درجات الأولاد سواء قلنا : إنهم الكبار أو الصغار نفع حاصل لهم ، وإنما حصل لهم بعمل آبائهم لا بعمل أنفسهم .
اعلم أولا أن ما روي عن ابن عباس من أن هذا كان شرعا لمن قبلنا ، فنسخ في شرعنا غير صحيح بل آية :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ
[ النجم : 39 ] محكمة ، كما أن القول بأن المراد بالإنسان خصوص الكافر ، غير صحيح أيضا .
والجواب من ثلاثة أوجه :
الأول : أن الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه ، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره ، لأنه لم يقل وإن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى . وإنما قال : وأن ليس للإنسان . وبين الأمرين فرق ظاهر ، لأن سعي الغير ملك لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير ، وإن شاء أبقاه لنفسه .
وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك ، مما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه .
الثاني : أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم ، إذ لو كانوا كفارا لما
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الخامس .