بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سورة الرحمن
قوله تعالى :
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ
[ 35 ] .
لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أن إرسال شواظ النار الذي هو لهبها ، والنحاس الذي هو دخانها ، أو النحاس المذاب وعدم الانتصار ليس في شيء منه إنعام على الثقلين . وقوله لهم
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 13 ] يفهم منه أن إرسال الشواظ والنحاس وعدم الانتصار من آلاء اللّه ، أي نعمه على الجن والإنس .
والجواب من وجهين :
الأول : أن تكرير
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
للتوكيد . ولم يكرره متواليا لأن تكريره بعد كل آية أحسن من تكريره متواليا ، وإذا كان للتوكيد فلا إشكال لأن المذكور منه بعد ما ليس من الآلاء مؤكد للمذكور بعد ما هو من الآلاء .
الوجه الثاني : أن
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
لم تذكر إلا بعد ذكر نعمة أو موعظة أو إنذار وتخويف ، وكلها من آلاء اللّه التي لا يكذب بها إلا كافر جاحد . أما في ذكر النعمة فواضح .
وأما في الموعظة ، فلأن الوعظ تلين له القلوب فتخشع وتنيب ، فالسبب الموصل إلى ذلك من أعظم النعم ، فظهر أن الوعظ من أكبر الآلاء .
وأما في الإنذار والتخويف كهذه الآية ، ففيه أيضا أعظم نعمة على العبد ، لأن إنذاره في دار الدنيا من أهوال يوم القيامة ، من أعظم نعم اللّه عليه .
ألا ترى أنه لو كان أمام إنسان مسافر مهلكة كبرى وهو مشرف على الوقوع فيها من غير أن يعلم بها ، فجاءه إنسان فأخبره بها وحذره عن الوقوع فيها . أن هذا يكون يدا له عنده وإحسانا يجازيه عليه جزاء أكبر الإنعام .
وهذا الوجه الأخير هو مقتضى الأصول ، لأنه قد تقرر في علم الأصول أن النص إذا احتمل التوكيد والتأسيس فالأصل حمله على التأسيس لا على التوكيد ، لأن في التأسيس زيادة معنى ، ليست في التوكيد .