تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] . قال صاحب « الافصاح » : إنما سأل اليهود تعجيزا وتغليظا ، إذ كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان والقرآن وعيسى وجبريل وملك آخر وصنف من الملائكة ، فقصد اليهود أن يسألوه ، فبأيّ مسمّى أجابهم قالوا : ليس هو ، فجاءهم الجواب مجملا ، وكان هذا الإجمال كيدا يردّ به كيدهم . قاعدة : قيل : أصل الجواب أن يعاد فيه نفس السؤال : ليكون وفقه ، نحو :
أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ
[ يوسف : 90 ] . ف
أَنَا
في جوابه هو ( أنت ) في سؤالهم . وكذا :
أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا
[ آل عمران : 81 ] فهذا أصله ، ثم إنهم أتوا عوض ذلك بحروف الجواب ، اختصارا وتركا للتكرار . وقد يحذف السؤال ثقة بفهم السامع بتقديره ، نحو :
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[ يونس : 34 ] ؛ فإنه لا يستقيم أن يكون السؤال والجواب من واحد ، فتعيّن أن يكون
قُلِ اللَّهُ
جواب سؤال ، كأنهم سألوا لمّا سمعوا ذلك : فمن يبدأ الخلق ثم يعيده ؟ قاعدة : الأصل في الجواب أن يكون مشاكلا للسؤال : فإن كان جملة اسمية فينبغي أن يكون الجواب كذلك . ويجيء كذلك في الجواب المقدّر ؛ إلّا أنّ ابن مالك قال في قولك : زيد ، في جواب : من قرأ ؟ إنه من باب حذف الفعل ، على جعل الجواب جملة فعلية . قال : وإنّما قدّرته كذلك . لا مبتدأ . مع احتماله . . جريا على عادتهم في الأجوبة إذا قصدوا تمامها . قال تعالى :
مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها
[ يس : 78 - 79 ] .
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
[ الزخرف : 9 ] .
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
[ المائدة : 4 ] . فلمّا أتى بالفعلية مع فوات مشاكلة السؤال ، علم أن تقدير الفعل أوّلا أولى . انتهى . قال ابن الزّملكانيّ في « البرهان » : أطلق النحويّون القول بأنّ ( زيد ) في جواب : من قام ؟ فاعل ، على تقدير : قام زيد ؛ والذي توجبه صناعة علم البيان : أنه مبتدأ ، لوجهين : أحدهما : أنه يطابق الجملة المسؤول بها في الاسمية ، كما وقع التطابق في قوله :
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً
[ النحل : 30 ] . في الفعلية . وإنما لم يقع التطابق في قوله :
ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ النحل : 24 ] ؛ لأنّهم لو طابقوا لكانوا مقرّين بالإنزال ؛ وهم من الإذعان به على مفاوز . الثاني : أن اللّبس لم يقع عند السائل إلّا فيمن فعل الفعل ، فوجب أن يتقدّم الفاعل في المعنى ؛ لأنه متعلّق غرض السائل ، وأما الفعل فمعلوم عنده ؛ ولا حاجة به إلى السؤال عنه ، فحريّ أن يقع في الأواخر التي هي محلّ التكملات والفضلات .