ومن ذلك ( الإعطاء والإيتاء ) « 1 » قال الخويّيّ : لا يكاد اللغويون يفرّقون بينهما ؛ وظهر لي بينهما فرق ينبئ عن بلاغة كتاب اللّه ، وهو : أنّ الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله ، لأنّ الإعطاء له مطاوع ، تقول : أعطاني فعطوت ، ولا يقال في الإيتاء : آتاني فأتيت ، وإنما يقال : آتاني فأخذت . والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من الفعل الذي لا مطاوع له ؛ لأنك تقول : قطعته فانقطع ، فيدلّ على أنّ فعل الفاعل كان موقوفا على قبول في المحلّ ، لولاه ما ثبت المفعول ، ولهذا يصحّ قطعته فما انقطع ، ولا يصحّ فيما لا مطاوع له ذلك ، فلا يجوز ضربته فانضرب ، أو فما انضرب ، ولا قتلته فانقتل ، ولا فما انقتل ؛ لأنّ هذه أفعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحلّ ، والفاعل مستقلّ بالأفعال التي لا مطاوع لها ، فالإيتاء أقوى من الإعطاء .
قال : وقد تفكّرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى ، قال تعالى :
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
[ آل عمران : 26 ] ؛ لأنّ الملك شيء عظيم لا يعطاه إلّا من له قوّة ، وكذا :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 269 ] .
آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي
[ الحجر : 87 ] لعظم القرآن وشأنه .
وقال :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 )
[ الكوثر : 1 ] : لأنّه مورود في الموقف مرتحل عنه ، قريب إلى منازل العزّ في الجنّة ، فعبّر فيه بالإعطاء ؛ لأنه يترك عن قرب وينتقل إلى ما هو أعظم منه .
وكذا :
يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
[ الضحى : 5 ] ، لما فيه من تكرير الإعطاء والزيادة إلى أن يرضى كلّ الرّضا ؛ وهو مفسّر . أيضا . بالشفاعة ، وهي نظير الكوثر في الانتقال بعد قضاء الحاجة منه .
وكذا :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
[ طه : 50 ] لتكرّر حدوث ذلك باعتبار الموجودات .
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ
[ التوبة : 29 ] ؛ لأنها موقوفة على قبول منّا ، وإنما يعطونها عن كره .
فائدة : قال الراغب « 2 » : خصّ دفع الصّدقة في القرآن بالإيتاء ، نحو :
وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ
[ البقرة : 277 ] .
وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ
[ البقرة : 177 ] .
قال « 3 » : وكلّ موضع ذكر في وصف الكتاب ( آتينا ) فهو أبلغ من كلّ موضع ذكر فيه
هامش
( 1 ) الفروق للعسكري ص 137 .
( 2 ) في المفردات ص 9 .
( 3 ) المفردات ص 9 .