ليسوا ممن يطّلع على دقائق الهيئة بسهولة ، وقد اطلع عليها آحاد العجم الّذين أطبق الناس على أنهم أبلد أذهانا من العرب بكثير ، هذا لو كان للهيئة أصل معتبر ، فكيف وأكثرها فاسد لا دليل عليه ؟ وقد صنفت كتابا في نقض أكثر مسائلها بالأدلة الثابتة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي صعد إلى السماء ، ورآها عيانا ، وعلم ما حوته من عجائب الملكوت بالمشاهدة ، وأتاه الوحي من خالقها . ولو كان السؤال وقع عمّا ذكروه لم يمتنع أن يجابوا عنه بلفظ يصل إلى أفهامهم ؛ كما وقع ذلك لمّا سألوا عن المجرّة وغيرها من الملكوتيات .
نعم المثال الصحيح لهذا القسم جواب موسى لفرعون حيث قال :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
[ الشعراء : 23 - 24 ] ؛ لأنّ ( ما ) سؤال عن الماهية والجنس ؛ ولما كان هذا السؤال في حقّ البارئ سبحانه وتعالى خطأ ؛ لأنه لا جنس له فيذكر ، ولا تدرك ذاته ، عدل إلى الجواب بالصواب ، ببيان الوصف المرشد إلى معرفته ، ولهذا تعجّب فرعون من عدم مطابقته للسؤال ، فقال لمن حوله :
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
[ الشعراء : 25 ] أي : جوابه الذي لم يطابق السؤال ، فأجاب موسى بقوله :
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
[ الشعراء : 26 ] المتضمّن إبطال ما يعتقدونه من ربوبية فرعون نصا ، وإن كان دخل في الأول ضمنا ، إغلاظا ، فزاد فرعون في الاستهزاء ، فلما رآهم موسى لم يتفطنوا ، أغلظ في الثالث بقوله :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
[ الشعراء : 28 ] .
ومثال الزيادة في الجواب : قوله تعالى :
اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ
[ الأنعام : 64 ] في جواب :
مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[ الأنعام : 63 ] .
وقال موسى :
هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي
[ طه : 18 ] في جواب :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 )
[ طه : 17 ] . زاد في الجواب استلذاذا بخطاب اللّه تعالى .
وقول قوم إبراهيم :
نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ
[ الشعراء : 71 ] . في جواب :
ما تَعْبُدُونَ
[ الشعراء : 70 ] زادوا في الجواب ، إظهارا للابتهاج بعبادتها والاستمرار على مواظبتها ، ليزداد غيظ السائل .
ومثال النقص منه : قوله تعالى :
قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ
[ يونس : 15 ] في جواب :
ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ
، أجاب عن التبديل دون الاختراع . قال الزمخشري « 1 » :
لأنّ التبديل في إمكان البشر دون الاختراع . فطوى ذكره للتنبيه على أنه سؤال محال .
وقال غيره : التّبديل أسهل من الاختراع ، وقد نفى إمكانه ، فالاختراع أولى .
تنبيه : قد يعدل عن الجواب أصلا ؛ إذا كان السائل قصده التعنّت ، نحو :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ
هامش
( 1 ) الكشاف 2 / 229 .