تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
وقال الراغب « 1 » : الإسقاء أبلغ من السقي ؛ لأنّ الإسقاء أن يجعل له ما يسقي منه ويشرب ، والسقي أن يعطيه ما يشرب . ومن ذلك ( عمل وفعل ) « 2 » فالأول لما كان مع امتداد زمان ؛ نحو :
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ
[ سبأ : 13 ] .
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
[ يس : 71 ] ، لأن خلق الأنعام والثّمار والزروع بامتداد . والثاني بخلافه ، نحو :
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
[ الفيل : 1 ] .
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ
[ الفجر : 6 ] .
كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ
[ إبراهيم : 45 ] ؛ لأنها إهلاكات وقعت من غير بطء ،
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ النحل : 50 ] أي : في طرفة عين . ولهذا عبّر بالأوّل في قوله :
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ البقرة : 25 ] حيث كان المقصود المثابرة عليها لا الإتيان بها مرة أو بسرعة ، وبالثاني في قوله :
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
[ الحج : 77 ] حيث كان بمعنى سارعوا ،
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
[ البقرة : 148 ] . وقوله :
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ( 4 )
[ المؤمنون : 4 ] حيث كان القصد يأتون بها على سرعة من غير توان . ومن ذلك ( القعود والجلوس ) « 3 » فالأول لما فيه لبث ، بخلاف الثاني . ولهذا يقال : قواعد البيت ولا يقال جوالسه ، للزومها ولبثها ، ويقال : جليس الملك ، ولا يقال : قعيده ؛ لأنّ مجالس الملوك يستحب فيها التخفيف . ولهذا استعمل الأول في قوله :
مَقْعَدِ صِدْقٍ
[ القمر : 55 ] ، للإشارة إلى أنّه لا زوال له ، بخلاف :
تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ
[ المجادلة : 11 ] لأنّه يجلس فيه زمانا يسيرا . ومن ذلك ( التمام والكمال ) « 4 » وقد اجتمعا في قوله :
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
[ المائدة : 3 ] . فقيل : الإتمام لإزالة نقصان الأصل ، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل ، ولهذا كان قوله :
تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[ البقرة : 196 ] أحسن من ( تامة ) فإن التمام من العدد قد علم ، وإنما نفي احتمال نقص في صفاتها . وقيل : ( تمّ ) يشعر بحصول نقص قبله ، و ( كمل ) لا يشعر بذلك . وقال العسكري « 5 » : الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به ، والتّمام اسم للجزء الذي يتمّ به الموصوف ، ولهذا يقال : القافية تمام البيت ، ولا يقال : كماله ، ويقولون : البيت بكماله ، أي باجتماعه .
هامش
( 1 ) المفردات ص 235 . ( 2 ) انظر شرح حديث « إنما الأعمال » لابن تيمية ص 32 ، ومنتهى الآمال ص 69 - 72 ، وعمدة الحفاظ 3 / 149 - 151 ، والمفردات ص 348 ، والفروق للعسكري ص 110 . ( 3 ) عمدة الحفاظ 1 / 385 ، والمفردات ص 96 . ( 4 ) الفروق للعسكري ص 218 . ( 5 ) في الفروق ص 218 .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 580 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي