تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
ومعنويّ : وهو أنّ ( من ) في قوله :
مَنْ حَقَّتْ
راجعة إلى الجماعة ، وهي مؤنثة لفظا ، بدليل :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
ثم قال :
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
[ النحل : 36 ] أي : من تلك الأمم ، ولو قال : ( ضلّت ) لتعيّنت التاء ، والكلامان واحد ، وإذا كان معناهما واحدا ، كان إثبات التاء أحسن من تركها ؛ لأنها ثابتة فيما هو من معناه . وأمّا
فَرِيقاً هَدى
. الآية ، فالفريق يذكّر ، ولو قال : ( فريق ضلّوا ) لكان بغير تاء . وقوله :
حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
في معناه ، فجاء بغير تاء . وهذا أسلوب لطيف من أساليب العرب : أن يدعوا حكم اللفظ . الواجب في قياس لغتهم . إذا كان في مرتبة كلمة لا يجب لها ذلك الحكم .

قاعدة في التعريف والتنكير « 1 » :

اعلم أنّ لكلّ منهما مقاما لا يليق بالآخر : أما التنكير فله أسباب : أحدها : إرادة الوحدة : نحو :
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى
[ القصص : 20 ] أي : رجل واحد . و
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ
[ الزمر : 29 ] . الثاني : إرادة النوع : نحو :
هذا ذِكْرٌ
[ ص : 49 ] أي : نوع من الذكر .
وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[ البقرة : 7 ] أي : نوع غريب من الغشاوة لا يتعارفه الناس ، بحيث غطّى ما لا يغطيه شيء من الغشاوات .
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
[ البقرة : 96 ] أي : نوع منها ، وهو الازدياد في المستقبل ؛ لأنّ الحرص لا يكون على الماضي ولا على الحاضر . ويحتمل الوحدة والنّوعية معا قوله :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
[ النور : 45 ] أي : كلّ نوع من أنواع الدوابّ من نوع من أنواع الماء ، وكلّ فرد من أفراد الدوابّ من فرد من أفراد النّطف . الثالث : التعظيم : بمعنى أنه أعظم من أن يعيّن ويعرّف ، نحو :
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ
[ البقرة : 279 ] أي : بحرب أيّ حرب .
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ البقرة : 10 ] .
سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 )
[ مريم : 15 ] .
سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 )
[ الصافات : 109 ] .
أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ
[ البقرة : 25 ] . الرابع : التكثير : نحو :
أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً
[ الشعراء : 41 ] أي : وافرا جزيلا . ويحتمل التعظيم والتكثير معا ، نحو :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ
[ فاطر : 4 ] أي رسل عظام ذوو عدد كثير .
هامش
( 1 ) انظر البرهان 4 / 87 - 93 .