وقال غيره : بل كان للعرب العاربة الّتي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم ، فعلّقت من لغاتهم ألفاظا غيّرت بعضها بالنّقص من حروفها ، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها ؛ حتى جرت مجرى العربيّ الفصيح ، ووقع بها البيان ، وعلى هذا الحدّ نزل بها القرآن .
وقال آخرون : كلّ هذه الألفاظ عربيّة صرفة ، ولكن لغة العرب متّسعة جدّا ، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الجلّة ، وقد خفي على ابن عباس معنى
فاطِرِ *
و ( فاتح ) .
قال الشافعيّ في الرسالة « 1 » : لا يحيط باللغة إلّا نبيّ .
وقال أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك : إنّما وجدت هذه الألفاظ في لغة العرب ، لأنّها أوسع اللغات ، وأكثرها ألفاظا ، ويجوز أن يكونوا سبقوا إلى هذه الألفاظ .
وذهب آخرون إلى وقوعه فيه ، وأجابوا عن قوله تعالى :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
[ يوسف : 2 ] بأنّ الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيّا ، والقصيدة الفارسيّة لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية . وعن قوله تعالى :
ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ
[ فصلت : 44 ] بأنّ المعنى من السياق :
( أكلام أعجميّ ومخاطب عربيّ ! ) واستدلّوا باتفاق النحاة على أنّ منع صرف نحو [ إبراهيم ] للعلميّة والعجمة . وردّ هذا الاستدلال بأنّ الأعلام ليست محلّ خلاف ، فالكلام في غيرها موجّه : بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس .
وأقوى ما رأيته للوقوع . وهو اختياري . ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعيّ الجليل ، قال : في القرآن من كلّ لسان « 2 » .
وروي مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبّه « 3 » .
فهذه إشارة إلى أنّ حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علوم الأوّلين والآخرين ، ونبأ كلّ شيء ، فلا بدّ أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتمّ إحاطته بكلّ شيء ، فاختير له من كلّ لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب . ثم رأيت ابن النقيب صرّح بذلك ، فقال : من خصائص القرآن على سائر كتب اللّه تعالى المنزّلة أنّها نزلت بلغة القوم الّذين أنزلت عليهم ، ولم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم ، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب ، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الرّوم والفرس والحبشة شيء كثير . انتهى .
وأيضا : فالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مرسل إلى كل أمة ، وقد قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا
هامش
( 1 ) الرسالة ص 47 ، وانظر الصاحبي 1 / 47 .
( 2 ) تفسير الطبري 1 / 8 ، والمصنف لابن أبي شيبة 10 / 469 ، وانظر المتوكلي ص 34 .
( 3 ) تفسير الطبري 1 / 8 عن سعيد ، وأخرجه ابن المنذر في تفسيره عن وهب كما في المتوكلي ص 35 .