« أين فلان ؟ » قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء - أي يطلب ماء عذبا - . إذ جاء الأنصاريّ ، فنظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبيه ، ثم قال : الحمد للّه ، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني . قال : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب ، فقال : كلوا من هذه ، وأخذ المدية ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إياك والحلوب ، فذبح لهم . فأكلوا من الشاة ، ومن ذلك العذق ، وشربوا ، فلما أن شبعوا ورووا ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر وعمر : « والذي نفسي بيده ! لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم » « 1 » وخرجه الترمذي .
وقال فيه : « هذا والذي نفسي بيده ، من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ، ظل بارد ورطب طيب ، وماء بارد » وكنى الرجل الذي من الأنصار .
فقال : أبو الهيثم بن التيهان .
قال القرطبي : قلت : اسم هذا الرجل مالك بن التيهان ، ويكنى أبا الهيثم .
وقد ذكر ابن كثير هذه القصة من عدة طرق .
ومنها : عند أحمد أن عمر رضي اللّه عنه أخذ بالفرق وضرب به الأرض ، وقال : « إنا لمسؤولون عن هذا يا رسول اللّه ؟ قال : نعم ، إلا من ثلاثة : خرقة لف الرجل بها عورته ، أو كسرة سد بها جوعته ، أو جحر يدخل فيه من الحر والقر » « 2 » .
وقال سفيان بن عيينة : إن ما سد الجوع ، وستر العورة من خشن الطعام ، لا يسأل عنه المرء يوم القيامة ، وإنما يسأل عن النعيم ، والدليل عليه أن اللّه أسكن آدم الجنة فقال له :
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
[ طه : 118 - 119 ] .
فكانت هذه الأشياء الأربعة ما يسد به الجوع ، وما يدفع به العطش ، وما يسكن فيه من الحر ويستر به عورته ، لآدم عليه السلام بالإطلاق ، لا حساب عليه فيها لأنه لا بد له منها .
وذكر عن أحمد أيضا بسنده « أنهم كانوا جلوسا فطلع عليهم النّبي صلى اللّه عليه وسلم وعلى رأسه أثر ماء ، فقلنا :
هامش
( 1 ) أخرجه : مسلم في الأشربة حديث 140 ، والترمذي في الزهد حديث 2369 .
( 2 ) أخرجه عن أبي عسيب أحمد في المسند 5 / 81 .