والوجه الثاني : أن لا نفي لكلام المشركين المكذبين للنبي صلى اللّه عليه وسلم .
وقوله : أقسم : إثبات مستأنف .
وقيل : إن هذا الوجه ، وإن قال به كثير من العلماء ، إلا أنه ليس بوجيه عندي ، لقوله تعالى في سورة القيامة
وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ،
لأن قوله :
وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
يدل على أنه لم يرد الإثبات المستأنف بعد النفي بقوله أقسم واللّه تعالى أعلم .
الوجه الثالث : أنها حرف نفي أيضا ووجهه أن إنشاء القسم يتضمن الإخبار عن تعظيم المقسم به . فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية . والمراد أنه لا يعظم بالقسم ، بل هو في نفسه عظيم أقسم به أولا . وهذا القول ذكره صاحب الكشاف وصاحب روح المعاني ، ولا يخلو عندي من نظر .
الوجه الرابع : أن اللام لام الابتداء ، أشبعت فتحتها . والعرب ربما أشبعت الفتحة بألف والكسرة بياء والضمة بواو . ومثاله في الفتحة قول عبد يغوث الحارث :
وتضحك مني شيخة عبشمية * كأن لم ترى قبلي يسيرا يمانيا
فالأصل : كأن لم تر ، ولكن الفتحة أشبعت .
وقول الراجز :
إذا العجوز غضبت فطلق * ولا ترضاها ولا تملق
وقول عنترة في معلقته :
ينباع من ذفرى غضوب جسرة * زيافة مثل العتيق المكدم
فالأصل ينبع ، يعني العرق ينبع من الذفري من ناقته ، فأشبعت الفتحة فصارت ينباع ، وقال : ليس هذا الإشباع من ضرورة الشعر .
ثم ساق الشواهد على الإشباع بالضمة والكسرة ، ثم قال : يشهد لهذا الوجه قراءة قنبل : لأقسم بهذا البلد بلام الابتداء ، وهو مروي عن البزي والحسن . والعلم عند اللّه تعالى اه . ملخصا .
فأنت ترى أنه رحمة اللّه قدم فيها أربعة أوجه صلة ، ونفي الكلام قبلها ، وتأكيد للقسم ، ولام ابتداء . واستدل له بقراءة قنبل أي لأقسم متصلة ، أما كونها لام ابتداء