وما ذكرنا من أن الظن في هذه الآية الكريمة بمعنى اليقين والعلم ، هو التحقيق إن شاء اللّه ، لأن يوم القيامة تنكشف فيه الحقائق ، فيحصل للكفار العلم بها لا يخالجهم في ذلك شك ، كما قال تعالى عنهم ، إنهم يقولون يوم القيامة
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
( 12 ) [ السجدة : 12 ] . وقال تعالى :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا
[ مريم :
38 ] . وقال تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
( 22 ) [ ق : 22 ] . وقال تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا
[ الأنعام : 30 ] وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى :
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ
[ النمل : 66 ] الآية .
ومعلوم أن الظن يطلق في لغة العرب ، التي نزل بها القرآن على معنيين :
أحدهما : الشك كقوله
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
[ يونس : 36 ] ، وقوله تعالى عن الكفار :
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
( 32 ) [ الجاثية : 32 ] .
والثاني : هو إطلاق الظن مرادا به العلم واليقين ، ومنه قوله تعالى هنا :
وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
( 48 ) [ 48 ] أي أيقنوا ، أنهم ليس لهم يوم القيامة محيص ، أي لا مفر ولا مهرب لهم من عذاب ربهم ، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى :
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها
[ الكهف : 53 ] أي أيقنوا ذلك وعلموه ، وقوله تعالى :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
( 46 ) [ البقرة : 46 ] وقوله تعالى :
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
[ البقرة : 249 ] وقوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
( 20 ) [ الحاقة : 19 - 20 ] ، فالظن في الآيات المذكورة كلها بمعنى اليقين .
ونظير ذلك من كلام العرب قول دريد بن الصمة :
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد
وقول عميرة بن طارق :
بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم * وأجعل مني الظن غيبا مرجما
والظن في البيتين المذكورين بمعنى اليقين ، والفعل القلبي في الآية المذكورة التي هي قوله :
وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
( 48 ) [ 48 ] معلق عن العمل في المفعولين بسبب النفي بلفظة ما في قوله :
ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
( 48 ) كما أشار له في الخلاصة بقوله :
* والتزم التعليق قبل نفي « ما » *
قوله تعالى :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ