تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
[ النساء : 40 ] الآية . وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( 44 ) [ يونس : 44 ] . وقوله تعالى :
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
( 49 ) [ الكهف :
49 ] وقوله تعالى :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
[ الأنبياء : 47 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات كما قدمنا إيضاحه في سورة الكهف والأنبياء .
الوجه الثاني : أن اللّه جل وعلا نفى ظلمه للعبيد ، والعبيد في غاية الكثرة .
والظلم المنفي عنهم تستلزم كثرتهم كثرته ، فناسب ذلك الإتيان بصيغة المبالغة للدلالة على كثرة المنفي التابعة لكثرة العبيد ، المنفي عنهم الظلم ، إذ لو وقع على كل عبد ظلم ولو قليلا ، كان مجموع ذلك الظلم في غاية الكثرة ، كما ترى .
وبذلك تعلم اتجاه التعبير بصيغة المبالغة ، وأن المراد بذلك نفي أصل الظلم ، عن كل عبد من أولئك العبيد ، الذين هم في غاية الكثرة ، سبحانه وتعالى عن أن يظلم أحدا شيئا ، كما بينته الآيات القرآنية المذكورة .
وفي الحديث : « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي » « 1 » الحديث .
الوجه الثالث : أن المسوغ لصيغة المبالغة ، أن عذابه تعالى بالغ من العظم والشدة ، أنه لولا استحقاق المعذبين لذلك العذاب بكفرهم ، ومعاصيهم لكان معذبهم به ظلاما بليغ الظلم متفاقمه ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .
وهذا الوجه والذي قبله أشار لهما الزمخشري في سورة الأنفال .
الوجه الرابع : ما ذكره بعض علماء العربية وبعض المفسرين ، من أن المراد بالنفي في قوله
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 46 ) [ فصلت : 46 ] نفي نسبة الظلم إليه ، لأن صيغة فعال تستعمل مرادا بها النسبة فتغني عن ياء النسب كما أشار له في الخلاصة بقوله :
ومع فاعل وفعّال فعل * في نسب أغنى عن اليا فقبل
ومعنى البيت المذكور ، أن الصيغ الثلاثة المذكورة فيه التي هي فاعل كظالم وفعّال كظالم ، وفعل كفرح ، كل منها قد تستعمل مرادا بها النسبة ، فيستغنى بها عن ياء النسب ، ومثاله في فاعل قول الخطيئة في هجوه الزبرقان بن بدر التميمي :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فالمراد بقوله الطاعم الكاسي النسبة ، أي ذو طعام وكسوة ، وقول الآخر وهو من شواهد سيبوية :
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي ذر الغفاري : مسلم في البر والصلة والآداب حديث 55 ، وأحمد في المسند 5 / 160 .