يعبدونه وينزهونه دائما ليلا ونهارا وهم لا يسأمون ، أي لا يملون من عبادة ربهم ، لاستلذاذهم لها وحلاوتها عندهم ، مع خوفهم منه جل وعلا كما قال تعالى :
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ
[ الرعد : 13 ] .
وقد دلت هذه الآية الكريمة من سورة فصلت على أمرين .
أحدهما : أن اللّه جل وعلا إن كفر به بعض خلقه ، فإن بعضا آخر من خلقه يؤمنون به ، ويطيعونه كما ينبغي ، ويلازمون طاعته دائما بالليل والنهار .
والثاني منهما : أن الملائكة يسبحون اللّه ويطيعونه دائما لا يفترون عن ذلك .
وهذان الأمران اللذان دلت عليهما هذه الآية الكريمة ، قد جاء كل منهما موضحا في غير هذا الموضع .
أما الأول منهما : فقد ذكره جل وعلا في قوله :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
( 89 ) [ الأنعام : 89 ] .
وأما الثاني منهما : فقد أوضحه تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى في الأنبياء :
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
( 20 ) [ الأنبياء : 19 - 20 ] وقوله تعالى في آخر الأعراف
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ
( 206 ) [ الأعراف : 206 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
( 38 ) [ 38 ] أي لا يملون .
والسآمة الملل ومنه قول زهير :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا ، لا أبا لك ، يسأم
قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
[ 39 ] الآية .
هذه الآية الكريمة قد أوضحنا الكلام عليها ، مع ما في معناها من الآيات ، وبينا أن تلك الآيات فيها البرهان القاطع على البعث بعد الموت ، وذكرنا معها الآيات التي يكثر الاستدلال بها في القرآن ، على البعث بعد الموت ، وهي أربعة براهين قرآنية .
ذكرنا ذلك في سورة البقرة وفي سورة النحل وغيرهما وأحلنا عليه مرارا .
قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ 40 ] .
قد قدمنا الكلام عليه ، مع ما يماثله من الآيات ، في سورة الفرقان ، في الكلام على قوله تعالى
قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ
[ الفرقان : 15 ] الآية .